افتتاحية العدد

د. عبد الله الزين الحيدري

 

المجال العمومي مفهوم فكري فلسفي سياسي، تزايد الاهتمام بدراسته خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين حتى أنّه ظلّ أحد المباحث البارزة في مجال العلوم الاجتماعيّة، بل إنّه تحوّل إلى مبحث مستقلّ في العديد من الدوائر الأكاديميّة. وللمفهوم جذور متشعّبة، ممتدّة في المشارب الفلسفيّة، من كانط إلى هابرماس، تدور كلّها حول إمكانيّة تحديده وتحقيقه أنطولوجيّا وسوسيولوجيّا، ولكنه في الوقت ذاته يحتلّ قيمة مركزيّة في الفكر السّياسي لارتباطه الوثيق بالشأن العام، ولاعتباره كذلك المجال الرّمزي لتأطير الفعل السّياسي وتحقيق التفاهم وحسم النزاعات. فعندما كان إيمانويل كانط يتحدّث عن الاستخدام العلني للعقل، كان يضع البذور الأولى لنظريّة التواصل كمشروع مولّد للديموقراطيّة، وكحلّ للخروج من حالة القصور التي نبّه إلى خطورتها والمتمثّلة في وصاية الإنسان على الإنسان.

موجات التفكير في المجال العمومي تدفّقت في بداياتها عبر الفلسفة التي أفسحت في داخلها مكانا لتفاعلات مفاهيمية متشعّبة شكّلت تدريجيّا الخارطة الإبستمولوجية للمفهوم. ولكن التفكير في المجال العمومي كمشروع مجتمعي وكحقيقة سوسيوسياسيّة، ازدهر بالخصوص في رحاب علوم الإعلام والاتصال، مثيرا إشكاليات جديدة كلّما حدث تطوّر تقني أو كلّما نضجت نظريّة في حقل من حقول العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة. بيد أنّ ما يطفو من إشكاليات، ظلّ يتصدّى من جديد للفلسفة طالبا المعالجة والتفكيك، ذلك لأنّ مفردات المجال العمومي جميعها، قديمها وحديثها، مفردات فلسفيّة يتحقّق بيانها فلسفيا حتى وإن طُرحت في مجالات الفكر الإعلامي والاتصالي.

ولأنّ المفهوم، مفهوم المجال العمومي، في ارتباطاته الموضوعيّة والنظريّة، الرّمزيّة والماديّة المتمدّدة في أكثر من حقل معرفي، العائمة في السيّاسي والاجتماعي والثقافي والميديولوجي والتقني، بحيث يشكّل نسقا، فإنّ مفرداته لا يمكن تبصّرها واستقصاؤها إلاّ وهي في علاقة بالحقول والمجالات التي ذكرنا. إنّه منوط بنظرة تناهجيّة تجعل الباحث مدركا لحقيقة التعقيد في النسق، مُلتزِما بأدوات منهجيّة علميّة ملائمة في مقاربته للمسائل النظريّة والسوسيولوجية المتصلة بالمجال العمومي.

باتساع دوائر الميديا اليوم، وبروز أساليب ميدياتيكيّة جديدة في معالجة الواقع ومقاربة الظواهر الاجتماعيّة فنيّا، وأدبيّا، وإعلاميّا، أساليب قائمة على سهولة في التعبير والتفكير، وحريّة فائقة في عرض القضايا المتصلة بالشأن العام والخاص، ومناقشتها، طُرِحت الأسئلة التي تبحث من جديد في السّجلات النقديّة للمجال العمومي، وفي الهندسة الحديثة لملامحه، خصوصا وأنّ الخطاب التقنوي مستمرّ في تقديم الميديا على أنّها الأصل حين يجري الحديث عن المجال العمومي، ممّا زاد في تعقيد العلاقة بين الميديا والمجال العمومي، أو لنقل صعوبة تبصّر مجال عمومي تختزله الميديا.

ولا ريب أنّ التحوّل من نظام الميديا الجماهيريّة، المتمثل وظيفيّا في الضبط الاجتماعي، إلى نظام الميديا الفرديّة – الجماهيريّة، وهو ذاته نظام التواصل الشبكي القائم على الاستقطاب و"المؤلِّف" بين السّياسي والمجتمعي والمنزلي    الذي بدأ يؤسّس لفكر يعيد النظر من جديد في جدليّة الفرد والدولة وفي الحدود الفاصلة بين الخاصّ والعامّ، بين الذات والتذاوت، بين الواقعي والافتراضي، بين القانون والأخلاق، قد جعل من البنية الميدياتيكيّة، عموما، إطارا فكريّا هوّ بمثابة المدخل السوسيوفلسفي "socio-philosophical" لتذليل الصّعوبات المنهجيّة والمفاهيمية في تعريف المجال العمومي.   

الفكر العربي لم يسهم في بناء مفهوم المجال العمومي أو حتى في إثراء الأدبيات المرتبطة به كمبحث فكري سياسي فلسفي، وهو اليوم أمام مشكل معرفي إبستمولوجي إذا أخذنا في الاعتبار التغيّرات الاستراتيجية والسياسيّة التي تخترق المشرق والمغرب العربيين. لقد أربكت هذه التغيرات، ضمن سياق ما أصبح يعرف بالرّبيع العربي، مركزيّة الدولة وسلطويتها داخل العديد من البلدان العربيّة. وظلّ بمقتضى هذا الحال التفكير في الشأن العام يمرّ عبر التفكير في المجال العمومي كهندسة واقعيّة تجلّت ملامحها مع النضج التقني المشار إليه، واتسعت دوائرها مع ظهور الميديا الفرديّة الجماهيريّة، والتدرّج الوظيفي من الويب السيميائي إلى الويب الاجتماعي، وهي المرحلة الموصوفة بمرحلة ما بعد الاندماج (الاندماج التقني)، مرحلة هللّ لحلولها الخطاب التقنوي معتبرا ظهورها حلاّ للمشكل الديمقراطي من حيث كونها بعثا جديدا لآغورا "Agora" قديمة.

الفكر العربي لم تنشأ بداخله أسس نظريّة ومبادئ عامّة تضع توصيفا للمجال العمومي وتدرس القواعد والقوانين التي تحكمه كمشروع مجتمعي له خصائصه الفكريّة ومؤثّراته الثقافيّة، فضلا عن كون طرح هذا المشكل المعرفي الإبستمولوجي مرتبطا، هوّ الآخر، ارتباطا جوهريّا بوجود تقاليد ديموقراطيّة هيّ الأصل في إتاحة الظروف الاجتماعيّة الملائمة لحوار عقلاني يناقش قضايا الشأن العامّ ويعمل على إنتاج التعدّد والاختلاف. ومعلوم أنّ التمفصل الدقيق بين المجال العمومي والممارسة الديمقراطيّة هوّ الذي من خلاله ينضج الوعي بأهميّة دور وسائل الإعلام في الإجابة على أسئلة المجتمع. لقد اقتصرت الأدبيات العلميّة العربيّة في أغلبها على التعريف بالأصول الفكريّة والفلسفيّة للمجال العمومي الواردة في التراث العلمي الغربي ومناقشة أطروحات من أسهموا في نحت المفهوم وعملوا على توسيع آفاقه النظريّة. 

وليس هذا بالسّبب الرّئيس الذي جعلنا نُفرِد العدد الأوّل من هذه المجلّة لموضوع المجال العمومي، وإن كان قصور الفكر العربي في إنتاج معارف عميقة تنتشل العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة من فقرها وتخلّصها من معوقاتها النظريّة والإبستمولوجيّة يُعدّ بحدّ ذاته حافزا قويّا. إنّ الاعتبار المركزي في اختيارنا ينبع من ظهور تضاريس جديدة للمجال العمومي تَشكّلَ على سطحها وجه من أوجه الاندماج "الخطير" بين السياسي والاجتماعي، الواقعي والافتراضي، والخاصّ والعام. وهذا ملمح مهمّ جدّا يعيدنا لتبصّر حقيقة الاندماج التي يعيشها العالم اليوم على أكثر من صعيد، حتى أنّ الحديث بات يجري عن الإنسان المندمج، بعد الحديث عن الاندماج التقني والاقتصادي والثقافي.

فالموضوع فيه من الأهميّة ما يستدعي الانشغال بدراسة أبعاده البنائية والوظيفيّة، ومعالجة المشكلات المرتبطة بحقيقته بوصفه محرّكا لما يتقرّر في المجتمع، بل إنّ ما يتقرّر في المجتمع إنما هوّ مرادف لجينات المجال العمومي الأخلاقية. والموضوع فيه من التعقيد ما يستوجب الدراسة البينيّة كشكل من أشكال التفاعل المعرفي والدمج بين التخصّصات العلميّة المختلفة لفهم المشكلات المجتمعيّة وتوفير الحلول لها، وهو ما ينسجم تماما مع الخط التحريري الذي انتهجته مجلّة علوم الإعلام والاتصال العربيّة القائم على التناهج كردّ فعل على الفكر الاختزالي، المحكوم ببراديغم البساطة، وكمرحلة من مراحل تطوّر العلم. 

المجال العمومي مفهوم فكري فلسفي سياسي، تزايد الاهتمام بدراسته خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين حتى أنّه ظلّ أحد المباحث البارزة في مجال العلوم الاجتماعيّة، بل إنّه تحوّل إلى مبحث مستقلّ في العديد من الدوائر الأكاديميّة. وللمفهوم جذور متشعّبة، ممتدّة في المشارب الفلسفيّة، من كانط إلى هابرماس، تدور كلّها حول إمكانيّة تحديده وتحقيقه أنطولوجيّا وسوسيولوجيّا، ولكنه في الوقت ذاته يحتلّ قيمة مركزيّة في الفكر السّياسي لارتباطه الوثيق بالشأن العام، ولاعتباره كذلك المجال الرّمزي لتأطير الفعل السّياسي وتحقيق التفاهم وحسم النزاعات. فعندما كان إيمانويل كانط يتحدّث عن الاستخدام العلني للعقل، كان يضع البذور الأولى لنظريّة التواصل كمشروع مولّد للديمقراطيّة، وكحلّ للخروج من حالة القصور التي نبّه إلى خطورتها والمتمثّلة في وصاية الإنسان على الإنسان.

" data-share-imageurl="">