يجب انقاذ الصحافة الجادة - يورغن هابرماس

يجب انقاذ الصحافة الجادة[1]

بقلم يورغن هابرماس[2]

ترجمة د. جمال الزرن: قسم الإعلام جامعة قطر.

 

تقديم: لماذا هذه الترجمة؟

مثلت هذه المقالة التي نشرها الفيلسوف الألماني يورغن هبرماس[3] في شهر ماي من سنة 2007 عند صدورها حدثا إعلاميا وثقافيا وفكريا هاما. ربما تعود شهرتها-أولا-إلى شهرة كاتبها لكن أيضا إلى سياقات الوقائع التي تكذبها، فهيمنة شبكة الإنترنت وحضورها في منظومة صناعة الخبر باتت حقيقة صادمة في المشهد الصحفي الدولي، كما أن حال الصحافة وحتى قبل نشر هذه المقالة في تراجع ملحوظ كان ذلك على مستوى الحريات أو من خلال مركزية ملكيتها في يد قلة من رؤوس الأموال، أو في مدى مساهمتها المباشرة في العملية التواصلية في الأنظمة الديمقراطية المعاصرة. يأتي هبرماس في سنة 2007 أي بعد 45 سنة من نشر أطروحته حول المجال العمومي[4] ليثير من جديد علاقة الصحافة الجادة بالمجال العمومي ونقاشاته والديمقراطية وحرية التعبير والنخبة والمال الإعلامي.

أن تنشر صحيفة لومند Le Monde اليومية الفرنسية الشهيرة ترجمة لهذه المقالة فالأمر لا يعود فقط لكونها صحيفة نخبوية فالسبب يبدو للوهلة بسيطا، ذلك أن حال صحيفة لومند Le Monde والصحافة الفرنسية عموما ليس بالبعيد عن حال الصحيفة الألمانية Süddeutsche Zeitung فكأن بلومند Le Monde تقول أكلت يوم أكل الثور الأبيض وترجمتها سيتم التفويت في رأسمالي في البورصة يوم فوتوا الألمان في صحيفتهم [5]Süddeutsche Zeitung.

بالنسبة لهبرماس وبالعودة إلى مشروعه الفكري في علاقته بالصحافة وتحديدا عند الحديث عن تحرر الفضاء العمومي البرجوازي واستقلالية فإنه يرى أن الفضل يرجع إلى ازدهار الصحافة من جهة وإلى تشكل رأي عام من سكان المدن وخاصة منها الطبقة برجوازية التي كيفت عاداتها القرائية مع الجديد من المنشورات وخاصة مع دخول التحليل النقدي في الصحافة اليومية، لتتشكل في قلب الفضاء الخاص شبكة مكثفة من التواصل العمومي. هكذا ستتبلور أشكال جديدة للعلاقات الاجتماعية مؤسسة على المناقشة واستعمال العقل مرجعيتها صحافة الرأي. نقاش في صالونات حيث يعلق الناس على الأخبار الواردة من الجرائد وأين يمكن لكل فرد أن يعطي رأيه ويبرره. يستنتج هبرماس أن الصحافة قبل سنوات من الثورة الفرنسية قدمت صورة جامدة عن العلاقات بين السلطة والفضاء العمومي، في حين وبعد الثورة وتحديدا في فرنسا وأيضا في بريطانيا كانت علاقات السلطة بالصحافة فيهما قد تطورت كثيرا. إن مبدأ دعاية الإعلام هو في الحقيقة مبدأ مراقبة حيث استغله الرأي العام البرجوازي للوقوف في وجه السلطة لوضح حد للأسرار الخاصة بالدولة المطلقة. فهذا المبدأ المنشئ لفضاء عمومي برجوازي بدا حقيقة في القرن الثامن العشر، باعتباره فضاء سياسيا جديدا حيث تموضع بين الدولة والأفراد. فالفضاء العمومي البرجوازي سيلعب بالاستعانة بالصحافة دور الوسيط بين حاجات المجتمع والدولة. وهذا التوسط يفترض أن يعتمد بالتدريج على مفهوم الرأي العام بمعنى آخر أن يكون حاملا لموقف ولشرعية لنقد عقلاني للسلطة السياسية حيث ستلعب فيه الصحافة الدور المحوري في الإعلان.

لا يوجد حرج إذا ما قلنا إن هذه المقالة هي بمثابة صيحة فزع أو الصرخة الفكرية في وجه تشوهات علاقة السلطة بالشعب وخاصة مسار الديمقراطية الأوروبية المتعثر. في هذه المقالة إذن دعوة صريحة من هبرماس لإنقاذ الصحافة المكتوبة التي تمتاز بصحافة الرأي ومعها إنقاذ الديمقراطية. بالنسبة لهبرماس ونظرته للصحافة المكتوبة فإن هذه الأخيرة تلعب وظيفة مركزية ألا وهي "وسيلة إعلام مسؤولة"[6] قادرة على انتاج نقاش عمومي وعرض لاتجاهات الرأي العام المختلفة بشكل يكاد يكون تنافسي. في تعارض مع ما ذكر فإن بعض وسائل الإعلام مثل شبكة الإنترنت لا تعرض سوى قشرة الرأي العام. إن هذا التعارض بين سيل الأخبار الذي توفره شبكة الإنترنت وتقلص فرص تحليلها مع انحسار الصحافة المكتوبة الجادة يضفي إلى تمثلات سطحية للحدث تقدمها شبكة الإنترنت تكون عادة قاصرة على اضفاء الخطاب الإعلامي الوضوح والتميز في حين يكون للصحافة المكتوبة مقاربة ديناميكية وجدلية منتجة للمعنى.

ختاما يمكن القول أن هبرماس وإن لم يفصح عن ذلك فإنه يدعو إلى ضرورة أن تتحول الصحافة إلى خدمة عامة أي ذات نفع عام مثلها مثل الماء والكهرباء، فلا الدولة تستطيع تجسيد ذاتها وتأطير مواطنيها بدونها، ولا الرأي يمكنه أن يستنير ويكون أكثر تجليا في غيابها ولا المجال العمومي يمكنه أن يتوسطهما بدون كل ذلك النقاش والحجاج الذي توفره صحافة الرأي عن قضايا الشأن العام بشكل علني.

 

نص الترجمة:

نشر القسم الاقتصادي لأسبوعية «دي زيت» Die- [7]Zeit وترجمتها "الوقت" – منذ ثلاثة أسابيع-عنوانًا استفزازيا مفاده "هل السلطة الرابعة باتت في المزاد العلني" ؟ يعود السبب إلى تلك الأخبار المفزعة والمؤكدة عن المصير الاقتصادي الذي ينتظر صحيفة Süddeutsche Zeitung وترجمتها "صحيفة جنوب ألمانيا" منذ أن بات واضحا رغبة أغلبية الشركاء في رأسمال هذه الصحيفة العريقة التخلي عنها.

إن حصل ما كان متوقعا وبيعت هذه الصحيفة العريقة فإننا سنشهد زوال بل تحول أفضل الصحف الوطنية في ألمانيا الفدرالية إلى أيدي مستثمرين أو مضاربين ماليين أو شركات نافذة في البورصة أو أحد عمالقة الميديا. أكيد سيقول البعض تلك قوانين السوق والبيع كما جرت العادة. ما المثير في أن يقرر مالكو هذه الصحيفة ويمارسوا حقهم في بيع أسهمهم في الشركة لسبب أو لأخر.

ازمة الصحافة اليومية برزت منذ بداية سنة 2002 أي مع انحصار سوق الإعلانات التي ومنذ ذلك التاريخ استطاعت صحيفة «سودتشي زيتونغ» Süddeutsche Zeitung، والمعروفة ب "صحيفة جنوب ألمانيا" تجاوزها أسوة بالمؤسسات الصحفية المثيلة. تمتلك العائلات الراغبة في بيع الصحيفة نسبة 62.5 % من الأسهم فاختارت هذه الفرصة المناسبة للبيع. فرغم واقع المنافسة القادمة من الصحافة الإلكترونية وتغير عادات القراءة فإن الأرباح كانت في ارتفاع ملحوظ. في الأصل وبعيدا عن حالة الانتعاش المالي هذه فإن الأمر يعود خاصة إلى نتائج إجراءات الحوكمة والتي أدت إلى نتائج إيجابية على مستوى الأداء المالي وحسن التسيير على مستوى التحرير.

عادت صحيفة "الوقت" «دي زيت» Die Zeit إلى هذا الموضوع الأسبوع الماضي للحديث عن «حرب الادارة الماليّة بين «وال ستريت» في مواجهة الصحافة الأمريكيّة»، ما الذي يختفي وراء مثل تلك العناوين الكبرى؟ ظاهريا فإنه توجد خشية مفادها أنّ المؤسسات المالية التي تعمل من خلالها المؤسّسات الصحفية الوطنيّة وتعتمد عليها إلى حدّ الآن، لا تتوافق سياساتها مع الوظيفة الثنائية التي على الصحافة الجيدة أداءها ألا وهي: تلبية الطلب على نوعية جيدة من الأخبار ومن الثقافة مع مقدرتها على أن تكون مؤسسة مربحة.

لكن أليس بكل تلك الأرباح تأكيدا على أنّ المؤسّسات الصحفية التي عرفت اجراءات تقشفية شديدة يمكنها أن تلبي بطريقة أفضل طلبات القراء الذين يستهلكون منتجاتها؟ هل تستطيع الصحافة تحت تعلّة «الجودة» المسّ بحرية الاختيار لدى قرائها؟ هل عليها أن تلزمهم بتقارير منحازة عوض أن تقدم لهم الأخبار الفرجوية.

إن هذا الخلاف الذي يتعلق بخصوصية بعض السلع من نمط خاص على شاكلة الثقافة والاعلام، يحيل على شعار، ظهر مع بدايات التلفزيون في الولايات المتّحدة وانتشر في ألمانيا ايضا، يدّعي أنّ هذا الوسيط الجديد لا يعدو أن يكون سوى "آلة أو محمصة لتسخين الصور". نريد أن نؤكد من خلال ذلك أن انتاج البرامج التلفزيونية واستهلاكها أصبح بلا أدنى شك يتحكم فيه السوق. منذ ذلك التاريخ باتت شركات الصحافة والإعلان تنتج برامج خاصة بالمستهلكين، وتبيع تحت الطلب، نسب المشاهدة إلى شركات الإعلانات التجاريّة.

يعتبر مبدأ التنظيم هذا ذو أهمية بالغة، وقد عمم منذ دخوله السوق، فجاءت آثاره على المجال السياسي والثقافي كمثل عاصفة برَدٍ على حقل ذرة. ذلك أن على نظامنا الالماني القائم على «الثنائيّة» السالفة الذكر الحدّ من هذه الخسائر. في كلّ الأحوال، فإن قوانين المقاطعات الألمانيّة أي المحافظات في مجال الاعلام، والأحكام الصادرة عن المحكمة الدستوريّة الخاصّة بهذه القضايا ومبدأ البرمجة في المؤسّسات العموميّة، تعكس جميعها مفهومًا مفاده أنّ وسائل الاعلام الالكترونيّة ذات الانتشار الجماهيري الواسع، لا يجب أن تلبّي حصرًا حاجيات الترفيه وتسلية المستهلكين، فمثل هذه الخدمة نعرف مسبقا سهولة اخضاعها لمنطق التجارة.

لا يمكن اعتبار المستمعين والمشاهدين مجرّد مستهلكين، ومن ثمّة عملاء السوق، بل هم أيضا مواطنون يتمتعون بحقوق التشاركية الثقافيّة، وحضور التظاهرات السياسيّة والمساهمة في تشكيل الرأي العام. على خلفية هذه المرجعية القانونية، فإن البرامج التي تكفل للمواطنين هذا المخزون الاساسي من المعرفة لا يمكن أن نجعلها رهينة نجاعة الإشهار ورعاتة.

في الواقع، فإن الرسوم وهي الضريبة الموظفة على ملكية التلفزيون ومشاهدة برامجه والتي تمكّن من تمويل مثل هذه البرامج الجادّة، والتي هي عادة نتيجة قرار سياسي، عليها ألا تكون مثلها مثل موازنات المحافظات خاضعة إلى التقلبات السلبية أو الإيجابية التي من المحتمل أن يشهدها الوضع الاقتصادي.

لقد أقرّ القانون العام (الألماني) إجراءات جيّدة، تمكن من تأطير وسائل الاعلام الالكترونيّة. ألا يمكن لهذه الاجراءات أن تمثّل عند الضرورة، مثالا لتنظيم الصحافة المكتوبة «الجادّة»؟ أظهرت دراسات عدة في مجال علوم الإعلام والاتصال في هذا الصدد، معطى هاما يتمثل في أن الصحافة الجيدة تؤدّي على الأقل في مجال الاتصال السياسي ـ بالنسبة للقارئ بوصفه مواطنًا ـ دور "الوسيط المسؤول". يبدو في هذا السياق أنّ الإذاعة والتلفزيون وبقية الصحف، تكون شديدة الارتباط، خلال تغطيتها للأخبار السياسية وكذلك في تعاليقها، بوجهات النظر والمساهمات التي تبديها صحافة الرأي هذه.

نضع فرضية وقوع بعض هذه العناوين تحت قبضة مستثمرين في مجال المال التي لا غاية لهم سوى تحقيق الربح السريع المبرمج في آجال قصيرة. إذا كانت التغيّرات المعتمدة على مستوى التنظيم وعلى مستوى الاقتصاد في هذا القطاع الذي يتميز بالمركزية وحساسية الدور، فإنه يعرّض للخطر ضوابط الصحافة المتعارف عليها، وسيصيب حتما الفضاء العمومي السياسي في المقتل.

              بدون التدفق الحر لسيل الأخبار، والتي قد يؤدي البحث عنها تكلفة باهضة، ودون تحليل وحجاج لهذه الأخبار من قبل خبراء وهي ليست بالمهمة المجانية هي الاخرى، سينتهي الأمر بالاتصال عمومي إلى فقدان حيويته السجالية. في غياب كل هذا نخشى على الفضاء العمومي ان لا يستطيع مقاومة المنحى الشعبوي وتأدية الدور الذي عليه أن يلعبه في إطار دولة القانون والديمقراطيّة.

إذا ما تأكدنا بأننا نعيش في مجتمعات تعددية، فإن مسار القرار الديمقراطي ودون خشية من التصورات العميقة للعالم التي قد تقدمها المعارضة لا يستطيع توفير شرعية جامعة قادرة على اقناع كل المواطنين من أن عليهم أن يواجهوا تحديين: أولا توفير قدرة على الادماج أي مشاركة أوسع لكل المواطنين بشكل متساو في الحقوق وثانيا إدارة معركة راي بشكل يكاد يكون عقلاني.

              بدون الجدل الذي قد يفتح على اتخاذ القرار، يصبح في الواقع من الصعب التأسيس وبشكل عقلاني للفرضيّة التي تقول أنّ المسار الديمقراطي يمكنه أن يؤدي على المدى المتوسط أو البعيد إلى نتائج شبه مقبولة. إن التشكيل الديمقراطي للرأي يأخذ بعدا أبستيميا، لأنّه ومن خلاله يتمّ نقد المقولات القطعية والتقييمات الخاطئة، ذلك هو الرهان من أجل مجال عمومي والذي يستمد كل حيويته من النقاش.

بشكل يكاد يكون حدسيا يمكننا أن نشكل فكرة شبه جلية عن الفارق بين من جهة ما تنتجه النقاشات العمومية من تنافسية بين الآراء المعروضة ومن جهة أخرى الاكتفاء باستبيان لعرض عينة من الآراء. إنّ الآراء العامّة المشكلة من خلال النقاش والحوار تعتبر ورغم ما يشوبها من قلة تناغم حصيلة عملية غربلة لأخبار وآراء موفرة بذلك حالة من الدقة والوضوح حول القضايا المختلف حولها في حين فإن عملية سبر الآراء تكتفي بعرض تلك الآراء وهي في بداياتها فتأتى عادة في صيغة جامدة وخام.

إن التدفّق المتوحش للاتصالات التي تحكم الرأي العام باتت تسيطر عليه وسائل الاعلام الجماهريّة، اتصالات لا توفر بطبيعة الحال السياقات لتبلور نقاشات أو تدخلات محكمة، على شاكلة الذين يتدخلون في المحاكم أو داخل اللجان البرلمانيّة. من ناحية أخرى يكون ضروريا أن يصبح الأمر كذلك، بأنّ المجال السياسي لا يمثّل سوى عنصر تقاطع، فهو يبدو في الواقع بمثابة صلة وصل بين من ناحية النقاشات والمفاوضات الممؤسسة أي تلك التي لها علاقة بالمؤسّسات التي تشهدها أروقة الدولة، في مقابل النقاشات العرضيّة وغير الرسمّية التي تدور بين الناخبين المحتملين.

يساهم المجال العمومي في توفير الشرعيّة لنشاط الدولة عبر اختيار ما يجب أن يكون عليه مضمون القرار السياسي، بأن يجعله في صيغة اشكاليّة وذلك عبر تجميع المواقف الأكثر قربا من الأحداث والمستندة إلى رأي، بطريقة تجعل منها أراء عامّة متنافسة. بهذه الطريقة سيطوّر التواصل العمومي حتما قوّته، ليستطيع في الآن ذاته، أن يحفز ويوفر التوجهات ذات الصلة بتشكيل آراء للمواطنين وإرادتهم، وذلك من خلال إجبار النظام السياسي على الشفافية والتكيّف مع هذا المعطى. دون الدفع الذي تقدمّه صحافة الرأي، والتي تمارس دور الإخبار، بأسلوب ناجع والتعليق عليها بشكل دقيق، فإن المجال السياسي غير قادر على بذل هذه الديناميكية. عندما يتعلق الأمر مثلا بقضايا مثل الغاز والكهرباء أو الماء، فإن الدولة مدعوة إلى الالزام بمد الموطنين بما يلزم من هذ المواد.

لماذا يغيب نفس الإجراء عندما نواجه الالتزام ذاته، أي عندما يتعلق الأمر بشكل آخر من الطاقة التي في غيابها يمكن أن يصل الأمر إلى حدوث اضطرابات قد تهدّد الدولة الديمقراطيّة ذاتها؟ أن تسعى الدولة إلى حماية الملك العام، المتمثّل في الصحافة ذات الجودة العالية تحديدا، لا يمكن اعتباره «خطأ في المنظومة». المسألة تتوقف فقط على كيف يمكن للدولة الوصول إلى مثل هذا الهدف وبأفضل السبل ويكفي أن تقدم البعد النفعي البراغماتي للصحافة الجادة وراء ذلك.

إن الدعم الظرفي الموجه إلى قطاعات بعينها لا يمثّل سوى الأداة، إذ توجد سبل أخرى، على شاكلة نظام مؤسسات الوقف بمشاركة عموميّة أو التخفيض من الضرائب المسلطة على العائلات المالكة للمؤسسات الصحفية. كل هذه التجارب التي تمّ اعتمادها في دول أخرى جاءت بنتائج إيجابية على قطاع الصحافة. بطريقة أو بأخرى، ما يهمّ في المقام الأوّل، هو التأقلم فتبني فكرة دعم الصحف اليومية والمجلات الأسبوعيّة. فكرة ترك أمر إدارة المؤسسات الصحفيّة بين يدي السوق، تبدو غير ناجعة. في السابق، فإن قوانين السوق تلك فتحت فضاءات أمكن من خلالها للأفكار الهدّامة أن تتطور بمنأى عن رقابة الدولة.

              لكن للأسف فإن السوق لا يمكنه لعب هذا الدور بنفس المدى إلا إذا كان نظام تكافئ الفرص الاقتصادية لا يسعى إلى محاربة المضامين السياسية والثقافية الناقدة له. كما جرت العادة فإن أدرنو[8] قد تعرض إلى أصل المشكل عندما انتقد ظاهرة الصناعات الثقافيّة. لكنّ هذه الاختلالات تمثل موضوع الساعة، لأنّه لا توجد ديمقراطيّة اليوم تقبل باختلال سوق الصناعات الثقافية تلك.

 
 

[2]  اعتمدنا في الترجمة على النسخة الفرنسية من المقالة والتي نشرت بصحيفة لوموند الفرنسية ونقلها من الألمانية إلى الفرنسية Christian Bouchindhomme.

[3]  يورغن هابرماس Jürgen Habermas) فيلسوف وعالم اجتماع ألماني معاصر(..1929 يعتبر من أهم علماء الاجتماع والسياسة المعاصرين.  ويعد من أهم منظري مدرسة فرانكفورت النقدية له أكثر من خمسين مؤلفا تناول فيها قضايا في الفلسفة وعلم الاجتماع وهو صاحب نظرية الفعل التواصلي. وقد وصل يورغن هابرماس إلى درجة من الشهرة والتأثير العالمي لم ينجح الجيل الأول من ممثلي النظرية النقدية الاجتماعية والمعروفة في حقل الفلسفة المعاصرة بمدرسة فرانكفورت في الوصول إليها. فعلى الرغم من الثقل العلمي لأفكار الجيل الأول (هوركهيمر، أدورنو، ماركوزه، إريك فروم…)، إلا أن هابرماس يعتبر الفيلسوف الوحيد الذي فرض نفسه على المشهد السياسي والثقافي في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.

[4] Habermas (Jürgen), L'espace public. Archéologie de la publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise, Paris, Payot, réed. 1988.

[5]  تعتبر صحيفة جنوب ألمانيا من بين أكبر 3 صحف يومية في ألمانيا وقد تأسست سنة 1945 بمونيخ وهي ذات توجه يساري ليبرالي، رغم أنها ذات أصول جهوية فإن هذه الصحيفة ذات انتشار وطني وحتى دولي. ويمثل خطها التحريري ذو توجه معارض للحكومة المحلية المعروفة باللند والبافيير التي يديرها اليمين الوسط منذ 1949.

 

[6] Media directeur.

[7]  صحيفة "الوقت" هي صحيفة أسبوعية ألمانية سياسية اخبارية جامعة تصدر كل خميس، كان المستشار الألماني السابق هلمت شميدت من رؤساء التحرير بهذه الصحيفة العريقة. تتوفر هذه الصحيفة ذات التوجه الليبرالي اليساري على نسخة سميكة وبتحاليل إخبارية عميقة. صدر أول عدد منها في 21 فيفري 1946 بإيعاز من القوات البريطانية بعد تحرير ألمانيا، ورغم أنها تصدر من مدينة هامبورغ فهي أيضا لها حضور كبير في مدينة بريم.

[8]  فيلسوف ألماني (1903-1969)، رائد من رواد مدرسة فرانكفورت الشهيرة - معهد العلوم الاجتماعية - وقد اشتهر بدراسته للفن وعلم الموسيقى والمجتمع الرأسمالي من رواد النظرية النقدية، من أشهر مؤلفاته "الانسان ذو البعد الواحد".

يجب انقاذ الصحافة الجادة[1]

بقلم يورغن هابرماس[2]

ترجمة د." data-share-imageurl="">