الرأي العام التقليدي والإلكتروني: بين القطيعة والتشاركية

 

الرأي العام التقليدي والإلكتروني: بين القطيعة والتشاركية

د. عزام أبو الحمام

الجامعة العربية المفتوحة (فرع الأردن)

Abstract

The study aimed to identify the nature of  E-Public Opinion concept by defining its dimensions and identify the points of convergence and the intersection with the real or traditional public opinion

The study used analytical descriptive approach based on extrapolation by induction method from the reality of the Jordanian arena and the Arab world in general. The study considered that there is no justification for the use of the term "virtual public opinion," whereas e- public opinion is a real phenomenon in reality through electronic media

The study ended with the proposal of three models in the traditional /realistic public  and virtual relations

Keywords

Public opinion, E- public opinion, On- line opinion, Social media, Jordan

 

ملخص

هدفت الدراسة التعرف على طبيعة مفهوم ما يسمى بالرأي العام الإلكتروني E-Public Opinion  أو  الرقمي Digital أو  الشبكي Networking opinion، وذلك عبر تحديد أبعاد هذا المفهوم وتحديد نقاط اللقاء والقطعية بينه وبين الرأي العام الواقعي أو التقليدي. وقد استندت الدراسة إلى ملاحظات استقرائية من واقع الساحة الأردنية خصوصا والعربية عموماً، وانتهت الدراسة إلى اقتراح ثلاثة نماذج في علاقة الرأي العام التقليدي/ الواقعي بالآخر الإلكتروني، ورأت الدراسة عدم وجود مبرر لاستخدام مصطلح الرأي العام الافتراضي، إذ يمثل الرأي العام الإلكتروني ظاهرة حقيقية في الواقع من خلال الوسائط الإلكترونية.

كلمات مفتاحية

الرأي العام، الرأي العام الالكتروني، الرأي العام الرقمي، وسائل التواصل الاجتماعي، الأردن.

 

مقدمة

ظل مفهوم الرأي العام Public opinion متطوراً عبر العصور في عدة أبعاد منها بُعد التعبير ووسائله، فمن اختلاف التعبير بالتمرد أو بالحوار أو الاحتجاج أو غير ذلك، إلى اختلاف وسائط التعبير من التعبير بالشعر أو بالتجمع أو بالكتابة على الجدران وصولا إلى التعبير بواسطة الصحف ثم وسائل الاتصال والإعلام الإلكترونية.

وارتبطت تعبيرات الرأي العام بتطور الظروف الموضوعية، وهي تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية وأخرى تكنولوجية، إذ دفعت تلك الظروف إلى نشوء ظاهرة الجمهور الكبير Mass، وهو ذلك التجمع من الأفراد الذين قد لا يشتركون سوى في استقبالهم مثيرا محددا (الرسالة)، على الرغم من أن استجاباتهم (الأثر) قد يكون متباينا. على أن موجبات سياسية واقتصادية واجتماعية أيضا، حتمت التواصل مع تلك الجماهير، فكان الاتصال بداية عبر أطر الاتصال الجمعي في الأسواق أو المدرجات الكبيرة أو دور العبادة وغيرها، وهذه عرفت عبر التاريخ منذ حضارة اليونان التي عرفت بمدرجاتها ومعابدها الكبيرة، ثم عبر الحضارة الرومانية، واعتمدت مجتمعات الدين على المعابد في التواصل مع الجمهور، بينما عبر الجمهور عن رأيه بما أتيح له في تلك الظروف. من هنا نجد التلازم بين ثلاثة ظواهر: الجمهور، الرأي العام، الإعلام الجمعي ثم الجماهيري فيما بعد.

والواقع أنه يمكن ملاحظة قدر كبير من التباين في تحديد مفهومي الجمهور والرأي العام، فالتباين في مفهوم الجمهور، يبدأ من التأريخ له، فهو عند بعض الدارسين الغربيين يبدأ من بدايات القرن العشرين أو نهايات القرن التاسع عشر؛ وذلك لأنهم ربطوا ظاهرة جمهور الرأي بجمهور وسائل الإعلام الجماهيرية من إذاعات وتلفزة.

في نطاق الدول العربية، فقد أسهمت التطورات السياسية (الاستعمار وحركات المقاومة) والتعليم والتحولات الاقتصادية في نشوء الطبقة الوسطى وانخراطها في الشأن العام، وقد وجدت تلك الفئات في الصحف، وفي المنشورات المطبوعة أيضا، وفي بعض الجامعات والمراكز الحزبية، متنفسا لبلورة رأيها وبثه وترويجه، واستهدفت من وراء ذلك استقطاب الجمهور وجذبه، وقد أفضت تلك العملية – من ضمن ما أفضت إليه- إلى تشكل النخب أو قيادات الرأي العام، تلك النخب التي ستقوم بدور الوسيط الاتصالي أو دور القيادة في بعض الأحوال.

في مستوى دراسة الرأي العام وقياسه، فإنه يجّدر التأكيد أنه لا يبدو الرأي العام بملامحه الخاضعة للقياس إلا في ظل النظم والثقافات الديمقراطية، ذلك أن ظاهرة الرأي العام تعني وجود هامش ما للمشاركة أو محاولة المشاركة في إدارة الشأن العام، ويتحقق ذلك من خلال الحوار وإبداء الرأي والنقد وطرح البدائل، لذلك فإن أنظمة الحكم الثيوقراطية أو الشمولية والعسكرية حرمت الأغلبية- في غالب الأحيان- من المشاركة في الحياة العامة؛ وبالتالي فقد قللت من نماء وتطور ظاهرة التعبير عن الرأي، فالأغلبية صامتة أو لا تملك وسائل التعبير أو حتى لا تتقن فنونه، بينما يُسمح فقط ببروز الاتجاهات المؤيدة أو المجبرة على ذلك بحكم إكراهات السلطة وإكراهات العيش.

المسألة الأخيرة التي يجّدر الإشارة لها في هذا التقديم هي ما يتعلق بتحديات دراسة وقياس الرأي العام سواء في الواقع التقليدي أم في التعبيرات الإلكترونية، إذ إن تلك التحديات لم تكن وليدة اليوم، بل بدأت تظهر بوادرها في المجتمع الأمريكي منذ بداية القرن الماضي، وها نحن اليوم في البيئة الرقمية للاتصال بدءنا بمواجهة تحديات جديدة فيما يخص الظاهرة، رغم أننا لم نستطع حل بعض الإشكاليات والتحديات السابقة، أو التقليدية، ما يستلزم المزيد من البحوث والدراسات والمحاولات.

أولا-  سؤال الدراسة:

   بناء على التقديم السابق، وقراءة للملامح والتحولات الجديدة في البيئة الجديدة للاتصال فيما يتعلق بظاهرة الرأي العام ودراستها وقياسها، وغموض مناطق االتقاطع والقطيعة مع تجليات الرأي العام في الفضاءات الإلكترونية. فإن الدراسة تهتم بسؤال رئيس يتمثل في:

 ما طبيعة الرأي العام الإلكتروني وعلاقته بالرأي العام التقليدي؟

   ويتفرع السؤال الرئيس إلى التساؤلات الآتية:

 ما تعريف الرأي العام الإلكتروني E-Public Opinion وما عناصره؟ ما طبيعة الفروق بين الرأي العام التقليدي والرأي العام الإلكتروني؟ وما طبيعة العلاقة بين كلا الشكلين من الرأي التقليدي والإلكتروني؟

    تنتمي الدراسة إلى الدراسات الوصفية التحليلية، وتعتمد على استقراء بعض التجارب والملاحظات حول الظاهرة في المجتمع الأردني على وجه الخصوص والمجتمعات العربية عموما خلال السنوات الخمس الأخيرة.

ثانيا- في مفاهيم المجتمع الجماهيري والجمهور والصفوة

1- المجتمع الجماهيري والجمهور

     شاركت عوامل عدة اجتماعية وسياسية واقتصادية وميدياتيكية في تشكيل ما بات يعرف بالمجتمع الجماهيري Mass Society، هذا المفهوم الذي سيكون مرادفا لما يسمى "العام"، والعام اسم جمع للعامة وهو خلاف الخاصة، الشامل مقابل المحدد والمخصص، وسيرتبط بذلك ما نعرفه اليوم بـ "الرأي العام"، وستظهر الدراسات والأدبيات اللاحقة أن لهذا المجتمع الجماهيري شخصيته المميزة، ودينامياته المختلفة، وجماعاته أو فئاته المتنوعة، بل فقد ذهب غوستاف لي بون في كتابه "سيكولوجية الجماهير" الذي صدر لأول مرة العام 1895 إلى تصنيف أنواع الجماهير إلى جماهير مجرمة وأخرى فاضلة، وجماهير بطلة، وجماهير أخرى عديدة أيضاً (لي بون،1991،61).

     تتجاوز الأدبيات الغربية في تأريخها لظاهرة المجتمع الجماهيري والجمهور مراحل سابقة من التاريخ التي نشأت فيها كتل سكانية كبيرة سواء في الغرب أو الشرق، رغم أنها تشير إلى نشوء تلك الكتل التي في بعض المدن التاريخية، وبدلاً من ذلك يبدأ تأريخ المجتمع الجماهيري من مرحلة تحولات المجتمع الصناعي في الغرب مع نهايات القرن الثامن عشر تقريبا، وهذا النمط من المجتمعات هو نتاج عملية التحولات من نمط الحياة التقليدي إلى نمط جديد يتصف بعدة خصائص أهمها: يتسم الأفراد بالعزلة النفسية عن الآخرين. وانعدام المشاعر الشخصية خلال التفاعلات البينية، والتحرر النسبي من بعض الالتزامات الاجتماعية. والاعتماد المتبادل بين الأفراد القائم على التخصص (ديفلير وروكيتش، 1993، 229).

      وفي تعريفه للجمهور يقترب جوستاف لي بون Gustave Le Bon أكثر نحو مفهوم جمهور وسائل الإعلام الذي نجده في أدبيات البحوث الإعلامية، ويبدو ذلك من خلال تأكيده على التأثير أو الانفعال الذي يميز الجمهور عن غيره من الجماعات، وكذا التنوع، فهو يعرف الجمهور بأنه "تجمع لمجموعة من الأفراد لا على التعيين، أيا تكن هويتهم القومية أو مهنتهم أو جنسهم، وأيا تكن المصادفة التي جمعتهم (لي بون، 1991،53). ويبدو التشابه كبيرا في العنصر الذي يؤكد عليه لي بون حينما لا يشترط الحضور المتزامن للعديد من أفراد الجمهور في مكان واحد محدد، ذلك أنه يمكن لآلاف الأفراد المنفصلين عن بعضهم البعض أن يكتسبوا صفة الجمهور النفسي في لحظة ما، وذلك تحت تأثير بعض الانفعالات العنيفة أو تحت تأثير حدث قومي عظيم مثلا (لي بون، 1991، ص 54). ويشير بعض الباحثين إلى التشابه الكبير بين مفهومي الجمهور النفسي والحشد Crowed من حيث عدم وجود بناء أو نظام فكري أو اجتماعي يجمع بين أفراد التجمعين، غير أن الفرد في الجمهور، بخلاف الفرد في الحشد، يزداد إحساسه بذاته، وتتغلب الفردية في سلوكه وبالتالي فإنه يستجيب منفرداً لما يثير انتباهه، دون أن يتأثر بإيحاءات الآخرين (محمد عبد الحميد،1997، 167).

    ومع نشوء وسائل الإعلام الجماهيري الإلكترونية منذ بداية القرن العشرين، فقد بدأ مصطلح الجمهور Audience بالبروز باعتباره هدف عملية الإعلام الجماهيري، وعملية الدعاية خصوصا، وبدأ القائمون على وسائل الإعلام – خصوصا خلال دعاية الحرب العالمية الأولى- ينظرون إلى الجمهور مفترضين التشابه التام بين أفراده، فالناس ورثوا تقريباً نفس المجموعة الكاملة الخاصة بالصفات البيولوجية الداخلية التي تزودهم بالدوافع والطاقات اللازمة للاستجابة للمؤثرات المقترحة بطرق معينة، من هنا نشأت نظرية القذيفة السحرية المبنية على آلية S-R للغرائز أو الإثارة والغموض ثم الانفراج (Suspense -Release)، ولهذا كان يقال إن المؤثرات القوية كانت تقدم بشكل متشابه لأفراد الجماهير ما يؤدي إلى استجابات متشابهة تقريبا لدى جميع الأفراد، فالأفراد معزولون نفسيا عن الروابط الاجتماعية القوية والرقابة الاجتماعية غير الرسمية (ديفلير  وروكيتش، 1993، 236).

     غير أن تقدم الأبحاث في علم الاجتماع والبحوث التجريبية في الاتصال ما بعد الحرب العالمية الثانية بدأت تظهر ملامح مختلفة للجمهور الذي كان يعتقد أنه مجموعة من الأفراد السلبيين، إذ بدأ يظهر أن الجمهور يتكون من فئات مختلفة، وأن ثمة فروق فردية بين الأفراد، وعليه لا يمكن توجيه الرسائل نفسها لكل أفراد الجمهور وبنفس الطريقة. وهكذا فقد بدأت مدرسة التحليل النفسي التي مثلها غوستاف لي بون بالتراجع والخفوت، إذ اهتزت الثقة بالحكم النهائي المتشائم- بأن المجتمع كان مكونا من أفراد يفتقدون الروابط الاجتماعية الهادفة مع الآخرين ما جعلهم أسرى الجانب اللاعقلاني لطبيعتهم البشرية، وبدلا من ذلك، فقد بدأت بحوث علم الاجتماع تؤكد طبيعة المجتمع المعقدة، والروابط المستجدة بين الناس (ديفلير وروكيتش،1993، 258- 263).

     لقد أثمرت نتائج بحوث الجمهور بعد منتصف النصف الأول من القرن العشرين إلى تأكيد الفروق الفردية للجمهور فئات وأفراداً، وأن عملية التأثير هي عملية معقدة ويمكن أن تأخذ مستويات متعددة تبعا لعدة عوامل، ثم برزت موجة جديدة من البحوث التي بدأت تقلب فكرة سلبية الجمهور ومع التغيير المستمر في التقنيات السوسيولوجية والسيكولوجية والاهتمام المتزايد بالبحوث الامبريقية خاصة في الولايات المتحدة، تم إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين وسائل الإعلام وبين الأفراد، فقد تم رفض فكرة أن الناس يواجهون وسائل الإعلام باعتبارهم جمهورا لا رابط بين أفراده، وحل محل ذلك تصور جديد بأن جمهور وسائل الإعلام هو مجموعة من الأفراد الذين يواجهون وسائل الإعلام باعتبارهم كائنات اجتماعية مرتبطة ببيئتها الاجتماعية (منال مزاهرة، 2012، 290).

  أما السمة المشتركة لكل تلك التطورات بشأن مفهوم الجمهور، فهو تناول المفهوم من زاوية التأثير المفترض الذي تقوم به وسائل الإعلام نحو الجمهور، أي الجمهور الملتقي، ولم تبرز تلك المعالجات الجمهور كمصدر للتعبير، أو ما نسميه الرأي. حتى نظرية الاستخدامات والإشباعات التي حاولت أن تقلب المعادلة، فقد قامت هي الأخرى على مبدأ أن الجمهور يقوم بعملية انتقاء بين وسائل الإعلام.

وكان التطور الأخير في نهاية القرن العشرين فيما يتصل بالجمهور ومكانته في التعبير هو الأهم، إذ بدا التحول في مفهوم الجمهور انقلابا على كل المراحل السابقة، فالجمهور أصبح فاعلاً رئيساً، ووسائل الاتصال والإعلام هي المفعول فيه أو واسطة الفعل في سياقات كثيرة، ويبدو ذلك أكثر ما يبدو في وسائل التواصل الاجتماعي. فإذا كان سؤال نظرية الاستخدامات والإشباعات يقوم في جوهره على حرية الاختيار المقيدة من بين وسائل الإعلام المتاحة، فإن الواقع الجديد لتقنيات الاتصال والإعلام أعطى مصداقية عالية لسؤال: ماذا يفعل الجمهور بوسائل الاتصال والإعلام؟ فالاتصال والإعلام الرقمي أتاحا بشكل واسع المشاركة الفعلية في عملية الاتصال، ووفرا فرصاً واسعة لعملية التعبير الفردي والجماعي، وهذا ما سيجعل من الجمهور قوة حقيقية.

إن فرضية القوة الجديدة للجمهور لا تقوم على توحد الجمهور في شخصية واحدة مثلما كان يفترض جوستاف لي بون، بل تقوم على قاعدتين؛ الأولى تبدو في الفرص الواسعة للاتصال لفئات واسعة من الجمهور، والثانية تبدو في القدرة التشبيكية Networking الفائقة لتقنيات الاتصال الرقمي.

على النقيض من التوحد للجمهور، فقد كان من ملامح التطور فيما يبدو تفتتا أو تشظياً Defragmentation لهذا الجمهور، فقد أدى التوسع في التخصص العلمي والمهني إلى تعميق ظاهرة تقسيم العمل، وترافق ذلك مع ثورة تكنولوجيا الاتصال الرقمية، التي أدت بدورها- من ضمن نتائجها الكثيرة- إلى تجزئة كل قنوات الاتصال، إذ تعددت قنوات الاتصال للدرجة التي أصبحت فيها متاحة للفرد نفسه، وزادت قدراتها التشغيلية والتخزينية، ورافق ذلك تدفق هائل للمضامين الإعلامية، وكان لا بد إزاء ذلك من الامتداد في تجزئة المادة الإعلامية، وإعادة توجيهها إلى أصغر وحدة ممكنة من الجمهور، للدرجة التي بات من الممكن فيها توجيه رسائل تناسب كل فرد من الفئة نفسها، وهذا ما أسهمت في إنجازه التكنولوجية الرقمية الذكية، التي تسجل وتحلل وتستخرج النتائج المتعلقة برغبات الجمهور وحاجاتهم المتوقعة.

جاءت تنظيرات يورغن هابرماس J. Habermas حول ديمقراطية الاتصال، والمجال العام، لتتوج الجهد العلمي الذي ظل يحاول الارتقاء بدور الجمهور، وعلاقته بوسائل الإعلام، إذ انتهى هابرماس في تنظيره الأخير فيما يتعلق بدور الجمهور إلى ما يسمى الديمقراطية التشاورية، ورغم الطرح المثالي أو المعياري الذي حكم رؤية هابرماس وعدم إعطائه الأهمية المناسبة لعنصري النخب والصراع، إلا أن رؤيته تلك تشير إلى أمور واقعية أيضاً، فالتشاورية عملية تتصل بالجمهور الذي يمارس الحوار في المجال العام، وهنا تختفي الهيمنة عدا هيمنة أفضل حجة. وفي التشاور يعطى لكل عضو في الجماعة الحق في الكلام والفعل بخصوص القضايا السياسية والمطروحة في الفضاء العمومي. وفي ظل ذلك النقاش العقلاني المؤسس يتشكل الرأي العام والإرادة السياسية العامة للمواطنين في المجتمع الديمقراطي الذي يلعب فيه التشاور دورا مركزيا (سالم يفوت، 2013).

ننتهي من العرض السابق بتلخيص أهم المراحل التي مرت فيها فكرة الجمهور، وهي الآتية:

 نُظر إلى الجمهور باعتباره كتل سكانية كبيرة غامضة ليس لها ملامح اتصالية محددة، ونظر للأفراد على أساس تشابههم من حيث تركيبهم البيولوجي الوراثي والسلوكي، وعلى ذلك جرى تصنيف تلك الكتل وفقا لأسس عرقية أو جغرافية أو دينية أو تبعا لعلاقتها مع السلطة وغير ذلك. ثم كان التطور الواضح في فكرة الجمهور بعد الحرب العالمية الأولى حينما تم التعامل مع الجمهور كقوة سلبية كبيرة يمكن توجيهها في الاتجاه المرغوب من خلال رسائل أو منبهات أو مثيرات نفسية معينة. وما لبثت بحوث العلوم الاجتماعية بعد الحرب الثانية أن اكتشفت الفروق الفردية في الجمهور وعوامل أخرى يمكن أن تؤدي إلى تباين أثر الرسائل الإعلامية، ومنذ سبعينيات القرن العشرين برزت بعض النظريات التي رأت أن الجمهور لم يكن سلبيا بالمطلق، بل إنه هو الذي يقرر ماذا يفعل بوسائل الإعلام، ومع ثورة تكنولوجيا الاتصال الرقمية منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، فإن الجمهور لم يكن إلا لوحة كبيرة من الفسيفساء الملونة، يمكن أن يكون فيها الفرد مُستخدِما ومستخدَماً ومُنتجا ومُتلقيا في الآن نفسه، بينما أظهرت بعض الحراكات الشعبية في بعض دول أوروبا الشرقية ودول الشرق الأوسط أن المزاوجة بين وسائل الاتصال والإعلام من جانب والجمهور من جانب آخر قد يحيل الجمهور إلى قوة هائلة يمكن أن تقلب الأنظمة الراسخة في غضون أسابيع معدودة.

2- مفهوم الصفوة

كما مرّ معنا، فقد كانت بحوث الاتصال وعلم الاجتماع قد أظهرت متغيرات هامة في عملية التأثير مثل متغيرات الفروق الفردية الاجتماعية والسياق Context أو الموقف Situation الذي يقع فيه الحدث وتتطور فيه الظاهرة، وكان ذلك أشبه باكتشاف الاتجاهات الأفقية للجمهور كبناء as a structure. وكان الأكثر أهمية هو ما بينته بعض البحوث الميدانية والفلسفية من الاتجاهات أو الطبقات الرأسية للجمهور كبناء، فالجمهور لم يكن كتلة واحدة بلا رأس أو رؤوس أو مراكز قيادية، إذ برز مفهوم الصفوة Elite الذي يرتبط بالجمهور وبظاهرة الرأي العام بطبيعة الحال، وكانت مساهمة فلفريد باريتو (Pareto, 1935) في بداية الثلاثينيات في كتابه mind and society محطة مهمة في إبراز مفهوم الصفوة ودورها ليصبح من المفاهيم التي اكتسبت أهمية كبيرة في التحليل السوسيولوجي، وباتت تستخدم كمدخل نظري تحليلي لظواهر السلطة والهيمنة والرأي العام. وكان باريتو يربط الصفوة بعدة خصائص هي: فيزيولوجية، فكرية، ومعنوية أو /أخلاقية وهي الخصائص التي تجعل مجموعة من الناس تشكل صفوة دون غيرها. ويؤدي أفراد الصفوة دورا مهما في عملية الاتصال؛ بينما ينظر إلى الكتلة الأكبر من الجمهور على أنها سلبية أو متلقية أو منقادة    كما سبق أن آمن غوستاف لوبون وغيره من علماء الاجتماع والنفس. ثم جاءت نظرية سريان المعلومات على مرحلتين لتأكد الدور المهم الذي يقوم به قادة الرأي، وهذا ما قام به لازرسفيلد وآخرون  Paul Lazarsfeld في العام 1944، ثم تبع ذلك دراسات قام بها لازرسفيلد مع كاتز Katz في العام 1955 وصدرت في كتابهما "التأثير الشخصي" Personal Influence. وأظهر الأدب النظري بعد ذلك تمييزا بين قادة الرأي المؤثرين وغيرهم من الوسطاء، ويظهر ذلك أكثر ما يظهر في مجال القضايا السياسة، وهي قضايا تعدّ قاسما مشتركا بين فئات الجمهور المختلفة (منال مزاهرة، 2012).

بيد أن الدراسات الحديثة أشارت إلى أن الصفوة ليست جماعة واحدة في المجتمع، وإنما تتعدد وتتنوع الأمر الذي يخلق فرصا للتنافس والتكيف بينها (نخبة أساتذة، 1985). وكذلك، فقد أظهرت البحوث اللاحقة في الاتصال وفي حقل التنمية أن نخب قيادات الرأي قد تستند إلى مكانات وظيفية أو علمية أو اجتماعية مما يكسبها قوة التأثير، وهذا ما ركزت عليه نظرية انتشار المبتكرات، بينما أظهرت نظرية انتقال المعلومات على مرحلتين Two- steps theory أن أهم ما يميز

وهكذا، فإن الجمهور ما هو إلا بناء معقد التركيب، يتكون من صفوف أو اتجاهات أفقية، يمكن إعادة تجزئتها وفقا لأسس كثيرة، وصفوف واتجاهات أخرى رأسية، قد تتكون من عدة طبقات بما يشبه الهرم التي تشكل الصفوة قمته، بينما يشكل قاعدته فئات المهمشين والأميين وبعض الأقليات، وقد جاءت تكنولوجيا الاتصال الرقمية الشبكية الحديثة، لتعيد الاعتبار إلى تلك الفئات المهمشة، ولتفتح أمامهم فرصا غير مسبوقة في الاتصال حينما أصبح الاتصال متاحا لكل هذه الفئات.

  ثالثا- في مفهوم الرأي العام

ليس بوارد هذه الدراسة استعادة المناقشات التقليدية لتعريف مفهوم الرأي العام، ونشأته وأشكاله وأنماطه ومجالاته وغير ذلك من المحاور التي نجد أنها أشبعت بحثا وتحليلا ونقدا منذ أن أصدر والتر ليبمان Lippmann, W. كتابه الشهير

لقد وضع الرأي العام بشكل أكبر تحت التحليل في الدراسات التجريبية التي ميزت العلوم الاجتماعية النامية مع نهاية القرن التاسع عشر، فقد كان الكتاب في تلك الفترة متأثرين بالقوة الجديدة للرأي العام، وكان للثورة الفرنسية أثر كبير في وضوح معالم اصطلاح الرأي العام (جمال مجاهد، 2004، 20)، ومنذ بداية القرن العشرين بدأت البحوث الغربية تهتم بدراسة ظاهرة الجمهور، ومن ثم ظاهرة الرأي العام، وترابط ذلك مع تطور دعاية الحرب في وسائل الإعلام الجماهيري، غير أنه يصعب تجاهل حضور الظاهرة – بأشكال مختلفة- عبر العصور وفي مختلف المجتمعات البشرية. وكما يشير دنيس ماكويل فإن الاتصالات الإنسانية عبر الزمن والمسافات كانت أقدم من وسائل الإعلام الجماهيري المستخدمة الآن (McQuial, D. 2005, 24). ولعل بعض الثورات وحركات التمرد التي عرفت في مختلف المجتمعات القديمة كانت تجسيدا عمليا لاتجاهات الرأي في ذلك الوقت، وهذا يؤكد أن الرأي العام ما هو إلا تعبير عن صراع أو تنافس حول السلطة والنفوذ وبناء المعنى وحماية المكتسبات التي تحققها الفئات الاجتماعية في مرحلة من مراحل الزمن، ومثل هذه الآلية وجدت منذ أن وجدت المجتمعات البشرية التي عرفت السلطة.

من المؤكد أن ظهور وسائل الإعلام الإلكتروني منذ بداية القرن العشرين كان العامل الأكثر تأثيرا في إبراز ظاهرة الرأي العام؛ ومساهمة وسائل الإعلام كانت حاسمة في بلورة أبعاد الظاهرة المختلفة كظاهرة سياسية للدرجة التي يمكن فيها القول إن وسائل الإعلام أضحت امتداداً لظاهرة الرأي العام في الدول القائمة على التعددية والتنوع والديمقراطية، وهي من جهة أخرى تعدّ القناة التي من خلالها يتم تبادل الرسائل بين صناع السياسات والمجتمع.

سنشهد كذلك في أواخر القرن العشرين، تضافر مجموعة تحولات اقتصادية اجتماعية سياسية أدت إلى نشوء بيئة اتصال وإعلام جديدة، وقد اصطلح على تلك التحولات بمصطلح العولمة، وشكلت تكنولوجيا الاتصال أهم دعائم تلك التحولات دون أن تكون هي الدعامة الوحيدة، وقد كان الانترنت أبرز ملامح هذه المرحلة، وهذا التطور لم يشبه ما سبقه، فقد كان ثورة حقيقية في مستوى تدفق الأخبار والمضامين والاتجاهات وتعبيراتها المختلفة، وكذا أيضا فُرص إجراء الحوارات وتبادل الآراء وتشبيك المجموعات الاجتماعية لتكتسب مزيدا من القوة لم تكن لتتاح لها في البيئة السابقة التي سيطرت عليها نخب معينة ارتبطت بالسُلط في أغلب الأحيان. ويشير بعض الباحثين إلى أن الانتشار الأفقي لتدفق الاتصال بعد أن كان تدفقاً هرمياً من الأعلى إلى الأدنى، كان له آثار وتداعيات متنوعة على تعبيرات الرأي العام منها الايجابية وأخرى سلبية. ولعل أهم الآثار الايجابية ما تجلى في توسيع دائرة الفئات الاجتماعية والسياسية التي تستطيع التعبير عن رأيها بقولها لا أو نعم، وهذا ما وفرته شبكة الإنترنت بينما لم يكن ذلك ممكنا في عصر التلفزيون (جمال الزرن، 2008).

 

يمكن الإشارة إلى أن تعريفات الرأي العام متعددة ولا تخلو من بعض التضارب والتناقض أحياناً أو عدم الاكتمال أحيانا أخرى. وبالعودة إلى تعريفات الرأي العام التقليدية فهي تبرز عددا من الإشكاليات تتمحور حول عدة مسائل مثل: الرأي السائد والرأي الصامت أو الكامن، والرأي المستقر والمؤقت، والعالمي والإقليمي والمحلي، الظاهر والباطن، المسيطر والمنقاد،،، وبينما تعتمد التصنيفات على الانتماء للمكان، أو الاستمرارية في الزمان، فإن بعضها أو قليل منها اعتمد على إبراز عنصر القوة أو الغلبة باعتباره العنصر الفارق في تقدير قوة الرأي العام، وهذا ما ظهر في مفهوم فلويد ألبورت ضمن تعريفه للرأي العام عندما أبرز عنصر القوة أو الشِدة (intensity)، مثلما أشار إلى العدد والثبات أيضاً (Allport, 1937, 23). بينما تعتمد الدراسة الحالية على الإبراز أو الظهور، وهو أحد تجليات القوة، خصوصا فيما يتصل بالرأي العام الإلكتروني.

تعتمد هذه الدراسة على تعريف مستخلص من أغلبية التعريفات المعروفة أو الرائجة منذ بداية القرن العشرين مع إبراز عنصر الغلبة المتحققة بالبروز أو الظهور، فالرأي العام هو "مجموعة الآراء والاتجاهات البارزة أو الظاهرة للجمهور من خلال النقاشات وأشكال التعبير المختلفة التي تتعلق بقضايا أو مسائل تتصل بمصالح الناس أو شؤونهم الحيوية التي يمكن معاينتها بطريقة أو بأخرى في ارض الواقع، وعادة ما ينعكس هذا الرأي عبر وسائل الإعلام المختلفة من خلال نقل الأخبار ومن خلال النشاط الإعلامي لنخبٌ من قادة الرأي".

يستند تعريف الرأي العام المشار إليه إلى عنصر إجرائي يتمثل في قابلية القياس بالتكميم Capability of quantification، وذلك تجبنا للإشكاليات المفاهيمية الجدلية، خصوصا وأن الجدل عادة ما ينتهي إلى مناقشة مقاييس الرأي بتقسيمه إلى رأي الأغلبية والأقلية والكتلة الصامتة، وكان أمر ذلك الجدل قد حُسم في الولايات المتحدة منذ بداية الثلاثينيات حينما بدأ غالوب   Gullup H. G. باستطلاعات الرأي التي تنتهي بتقدير الأعداد والنسب المئوية وفقا لعينات عشوائية ممثلة للمجتمع، وحينها فقد كان الرأي العام في السياسة الأمريكية لدى العلماء مرادفاً لمجموع الآراء الفردية (Goidel, 2011, 18).

لعل ما يعزز الرأي السابق، هو أن مفهوم الرأي العام مع مرور الوقت أصبح مرادفا لقياس رأي الجمهور، أو ما تقيسه استطلاعات الرأي، وكان بمثابة أحد أهم الآليات المركزية للسياسات العامة والنفوذ في عمليات صنع السياسات (Ibid, 18).

وقد تميزت بعض التعريفات للظاهرة بعنصر أو سمة الغلبة المرادفة للقوة والتأثير، وقد تبدو هذه السمة مخالفة للمعيار الكمي القائم على القياس العددي النسبي، لكن الغلبة في الواقع تعتمد على مدى الحضور في المجال العام، وهذا الحضور يتسم ببعد كمي إلى حد كبير سواء من حيث الحيز أو من حيث التأثير في الاتجاهات وفي صناعة القرارات، وهذه مظاهر يمكن معاينتها وقياسها بطرق مختلفة بما في ذلك مقياس العدد والنسبة، وهكذا تبدو وحدات القياس كيفية وكمية. والأمر المهم هو أن الرأي العام أصبح يرتبط ارتباطا وثيقا بالمجال العام، سواء في الساحات والفضاءات الطبيعية أم في الفضاءات الإعلامية.

وبما أن المجال العام يمثل المنطقة الوسطى بين الدولة والمجتمع، فإن الصلة الوثيقة بين المجال العام وبين الرأي العام تبدو -حسب هابرماس- في الجمهور، فالجمهور هو موضوع المجال العام باعتباره حامل رأي عام ذو وظيفة نقدية (رشيد العلوي، 2015). وفي هذا السياق أيضا تشير حميدة سميسم (2002، 32) في كتابها " نظرية الرأي العام" أن الرأي العام يقوم بتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وبهذا فإن الرأي العام هو حصيلة الاستفهام والحوار في المجال العام الذي يشكل وسيطا بين الدولة وبين الجمهور، وهو قبل ذلك – أو معه- يشكل وسيطا بين أفراد المجتمع وجماعاته وملتقى لهم.

وعودة إلى مفهوم الغلبة، فإن هذه الغلبة تتحقق في النظم الديمقراطية من خلال معيار العدد والنسبة التي ستنعكس في عمليات الاستفتاءات أو التصويت البرلماني، ومن هنا فإن الرأي العام يسهم في صناعة المواقف والسياسات باتجاهات محددة في تلك النظم، وهذا لا يعني أن الرأي العام في الديمقراطيات هو رأي حرّ خال من تأثير جماعات المصالح الصغيرة أو الكبيرة، بل العكس هو الصحيح، غير أن خلاصة الرأي العام هي محصلة قوى جماعات المصالح من منطلق أن هذه المجتمعات تتمتع بحرية التعبير وبالتالي انفتاح المجال العام أمام الجميع لممارسة التأثير، حتى حينما تجد جماعات المصالح أن الرأي العام لا يميل لصالح توجهاتها فهي تعمد إلى تنظيم حملات موجهة للرأي العام لتغيير اتجاهاته، وفي التجارب الأمريكية العديد من الأمثلة الصارخة منها مثلا تحويل اتجاهات الرأي العام في قضايا عديدة مثل مسألة العدوان على العراق بسبب ما زعم أنه امتلاك لأسلحة نووية وكيماوية، ونجحت تلك الحملات في توفير دعم الرأي العام لخطط الإدارة الأمريكية بعد أن كانت الأغلبية ضد الحرب على العراق، من هنا ستكون الفئات "الأقل حظاً" في القوة هي المغلوبة، خصوصا ما تعلق بحظوظ الاتصال. أما في النظم غير الديمقراطية فإن سيادة أو غلبة الرأي العام لا تترجم بالضرورة إلى سياسات ومواقف، خصوصاً فيما يتعلق بتعديل السياسات الحكومية حتى لو كان الرأي رأي الأغلبية، فقانون جماعات المصالح يعمل عمله أيضاً وبشكل أبعد عمقاً وأكثر خللا لغياب فرص العدالة للجميع، فالجماعات الأقرب إلى السلطة هي الأوفر حظا في عملية التأثير، وأمثلة ذلك لا تحصى في الدول النامية، أو حتى ما يلاحظ في قوانين السوق المفتوحة تماما كما يجري في معارضة زيادة الضرائب أو رفع أسعار السلع في الأسواق رغم الرأي العام السائد. مثلا جرى تعديل قانون المالكين والمستأجرين في الأردن ثلاث مرات متتالية في الأعوام عام 2010 ثم 2011 عام 2013 رغم معارضة الرأي العام، بينما كانت الغلبة لتيار المالكين والمستأجرين(وهم أقلية نسبة للمستأجرين) لكنهم كانوا أكثر تنظيما وأنشط اتصالا بمراكز القرار (بعضهم أعضاء مجلس الأمة)، هذا علاوة على نشاطهم في وسائل الإعلام حيث نشروا تظلماتهم وحققوا بعض التعاطف أو التبرير الذي سمح بإجراء تعديلات على القانون جعلت للمالكين اليد العليا في إبرام عقود الإيجار وفسخها إضافة إلى فرض زيادات في الإيجار لم تكن مسبوقة.

  بعد هذا العرض الموجز السابق يمكن تفكيك التعريف في سبعة عناصر كالآتي:

1- حصيلة الآراء والاتجاهات، والحصيلة قد تعني جمع الآراء والاتجاهات الفردية، وقد لا تعتمد على العدد (حجم) بل على القوة أو الغلبة (الكتلة أو الوزن).

وهذا العنصر ينسحب على كلا الشكلين من الرأي العام، التقليدي منه والإلكتروني، ولم يقع أي تغيير في هذا المستوى

2- قضايا ومسائل بارزة خلاف الكامنة أو المبطنة بمعنى يمكن الإحساس بها عن طريق التعبيرات المختلفة سواء أكانت مباشرة أو عن طريق وسائل الاتصال والإعلام. وهي قضايا تتعلق بمصالح أو شؤون حياتية مختلفة.

وبهذا فإن الرأي هو خلاف الصمت، إذ يجب أن يكون قابلا للإثبات والتشخيص، فهو بذلك أبعد من أن يكون مجرد إحساس أو انطباع (عزام أبو الحمام،2011). ولعل الصمت يعني قبولا بما تقوم به السلطة أو النخب الحاكمة أو استسلاما لها، ولذلك يرى البعض أن صمت الأغلبية يعد مقدمة لاستقالة المواطن من الانخراط في قضايا الشأن العام الأمر الذي بدوره سينعكس على الديمقراطية نفسها (جمال الزرن، 2016، 51).

 بناء على ما سبق، فإنه لا اختلاف في هذا المستوى بين الشكلين التقليدي والإلكتروني، إنما يمكن الإشارة إلى أن تكنولوجيا الاتصال الحديثة سهلت على الأفراد والجماعات (خصوصا المهمشين) إشهار الرأي العام بتعبيرات مختلفة عبر النصوص أو الصور أو الرموز والرسوم.

3- الجمهور: هو مجموعة أو مجموعات الناس الذين يكونون المجتمع، وهؤلاء يمكن حصرهم على أسس قانونية أو تنظيمية ووفق الأساليب الإحصائية المعروفة، مثلا الأفراد الذين تمتعوا بالجنسية منذ أكثر من خمس سنوات. أو الأفراد الذين تزيد أعمارهم عن 17 سنة، ويميز الجمهور نسبة إلى التقسيمات الإدارية والإقليمية المختلفة، إذ إن بعض التمايز في فئات الجمهور سيؤدي إلى تمايز في اتجاهات الرأي العام، فقضايا انفصال إقليم الباسك الأسباني مثلا، أو إقليم كردستان العراق، تؤدي إلى تمايز في الجمهور الوطني، وثمة قضايا اقل أهمية تؤدي إلى مثل هذا التمايز لأن لتلك القضايا تأثيراً مختلفاً على مصالح الفئات، من هنا تتمايز اتجاهات الرأي على المستوى الوطني إضافة لعوامل أخرى متعددة.

في هذا المستوى سيبدو التمايز بين الشكلين، فجمهور الرأي العام الإلكتروني هو مجموع الناس الذين ينشطون في الفضاءات الإلكترونية التي تمثلها وسائل الاتصال والإعلام وشبكة الإنترنت، وهؤلاء يصعب حصرهم على أسس قانونية

ووفق الأساليب الإحصائية المعروفة مثلما هو الحال في الواقع، إذ مثلا يصعب التحقق من: جنسياتهم، وجنسهم، أعمارهم، أماكن سكناهم، حالتهم الاجتماعية...الخ. ولهذا وجب التمييز بين نوعين من الجمهور: الأول التقليدي أو الواقعي، والثاني الجمهور الإلكتروني الذي سيكون له خصائص مختلفة في جوانب عديدة.

4- يبرز الرأي العام ويتبلور من خلال النقاشات المتاحة في الفضاءات العامة. وبهذا يصبح وجود الفضاءات المفتوحة (الطبيعية أو الافتراضية) والحريات الكافية لإجراء النقاشات وبث الآراء شروطا أساسية لمعاينة الرأي العام وتمييزه عن المعتقدات أو القيم أو الآراء المفروضة من السلطات المستبدة.

 بالمقارنة في هذا المستوى، يمكن ملاحظة أن وسائل الاتصال والإعلام الإلكترونية وفرت فضاءات مُثلى لتبادل الرأي والمعلومات وإجراء الحوارات، وهي فتحت الباب واسعاً أمام المزيد من المشاركين، وبالتالي فإنه يفترض أن يأتي الرأي العام الإلكتروني أكثر نضوجا وشمولية، بيد أننا نعلم أن نضوج الرأي العام وشموليته سيعتمد على عوامل أخرى وليس حصرا بتوفر فضاءات مفتوحة.

5- قابلة للمعاينة والقياس: والقياس في الرأي العام التقليدي قد يكون بالعدد والنسبة كما في استطلاعات الرأي، أو من خلال ملاحظة التأثير في الاتجاهات أو في السياسات. ونجد أن عناصر القياس في كلا الشكلين من الرأي لا يوجد بها خلاف جذري، باستثناء صعوبة تحديد هويات الأفراد المشاركين في الرأي العام الإلكتروني في بعض الحالات.

6- نخب وقيادات تتولى التعبير عن الرأي: وقد تم تعريف النخب والقادة في الرأي العام التقليدي وفق أسس سيكولوجية كما فعل باريتو، أو وفق أسس اجتماعية كما ورد في نظرية انتقال المعلومات على مرحلتين أو في نظرية (روجرز E. Rogers) أحد رواد نظرية انتشار المبتكرات، فقادة الرأي هنا يحتلون مراكز اجتماعية متميزة أكثر من غيرهم نتيجة وضعهم العلمي، أو الاجتماعي أو الاقتصادي، أو المهني. مما يعزز من تأثيرهم على أتباعهم وحتى المسؤولين عن برامج التغيير. وهم أكثر مشاركة اجتماعية من أتباعهم سواء في المناسبات الاجتماعية أم القضايا الاجتماعية ذات الاهتمام الأكبر. بينما سنجد بعض الاختلاف الذي طرأ على مفهوم قادة الرأي في ظاهرة الرأي العام الإلكتروني.

في الرأي العام الإلكتروني، لم تعد الخصائص البيولوجية كالذكاء والموهبة أو المكانات والوظائف الاجتماعية هي المعايير الأهم لتحديد النخب والقيادات، فقد تراجع دور هذه المعايير وفي بعض الحالات لم يعد لها أي تأثير، إذ أصبح بعض المواطنين النشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي نجوما وقيادات للرأي العام كل في مجاله، ومنهم من يتخصص أو يهتم بالشؤون العامة التي تندرج في نطاق الرأي العام السياسي، وفي هذا الصدد يكتب صبري ربيحات[1] مقالا حول هذه الظاهرة في المجتمع الأردني فيصف هذه النخب أو النشطاء بأنهم "نجوم جدد"، ويؤكد أن النجوم الجدد ظاهرة ملفتة تؤشر على قوة وتأثير الأدوات والأسلوب والأشخاص في الوصول إلى الناس وتحريك مشاعرهم. الكثير من الأشخاص الذين حققوا هذه المستويات من الجماهيرية ليسوا أثرياء ولا ساسة أو حتى إعلاميين حسب التعريف التقليدي للإعلامي (ربيحات، 2017).

رابعاً - الفروق بين الرأي العام التقليدي والرأي العام الإلكتروني

بناء على ما سبق، ومحاكاة لتعريف الرأي العام التقليدي، مع الآخذ بالاعتبار الفروق بين النمطين، أصبح الآن من الممكن وضع تعريف الرأي العام الإلكتروني كالآتي:

إنه "مجموعة الآراء والاتجاهات البارزة للجمهور من خلال النقاشات وأشكال التعبير المختلفة التي تتعلق بقضايا أو مسائل تتصل بمصالح الناس أو شؤونهم الحيوية التي يمكن معاينة تعبيراتها في مختلف الوسائط الإلكترونية خصوصا شبكة الإنترنت، ويتولى التعبير عن هذا الرأي نخبٌ من قادة الرأي والنجوم E- stars في الفضاءات الإلكترونية من إنترنت ووسائل الإعلام الأخرى"، 

كذلك، أصبح من الممكن الإجابة على سؤال: هل يوجد فروق حقيقية بين الرأي العام التقليدي والرأي العام الإلكتروني؟

 إن المقارنة السابقة بين مفهومي الرأي العام التقليدي والآخر الإلكتروني أتاحت لنا استخلاص أهم الفروقات، فالرأي العام هو نفسه من حيث: أنه حصيلة أراء واتجاهات، ومن حيث أنها بارزة خلاف الكامنة أي يمكن معاينتها أو الإحساس بها، وهي تتصل بالجمهور أو تصدر عنه، والجمهور هو نفسه في كلا النمطين، مع تعمق ظاهرة تجزؤ الجمهور وتشظيه في الفضاءات الإلكترونية إلى حد الفردية، أما القضايا التي تمسهم فهي نفسها في النمطين، ودوافعهم هي نفسها وهي المتمثلة في الحاجة إلى التعبير حول مسائل وقضايا ذات صلة بالشأن العام أو بمصالحهم، وفي كلا النمطين فإن ثمة نخب صغيرة ذات خصائص معينة تنشط أكثر من غيرها في صناعة الرأي العام وتوجيهه باتجاهات محددة، غير أن هذه النخب في الرأي العام الإلكتروني لم تعد تستند إلى المكانات والوظائف الاجتماعية بقدر استنادها إلى بعض مهارات التواصل الإلكتروني. كذلك فإنه في كلا الشكلين يمكن معاينة اتجاهات الرأي بطرق بعضها متشابه وبعضها مختلف، وهي تقوم على التكميم بالدرجة الأولى من خلال الاستفتاءات في المجتمعات التي تتيح ذلك، وأخيرا، ومع عدم التقليل من أهمية التطور في عنصر النخب وقيادات الرأي، ثم تعمق ظاهرة تشظي الجمهور وتجزؤه إلى حد الفردية،  فإن أهم أوجه الاختلاف تكمن في مستويين رئيسيين: الأول هو الوسيط الذي يعبر من خلاله عن الرأي العام. أما الثاني فيتمثل في أن جمهور الرأي العام التقليدي أكثر قابلية للضبط والتحديد بناء على محددات المكان والزمان والهوية للأفراد والجماعات المشاركة فيه، بينما لا يمكن التيقن من تلك المحددات في حالة الرأي العام الإلكتروني، فأي مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي أو للمنابر الأخرى الكثيرة على الإنترنت بوسعه مشاركة الرأي في أية قضية في أي مكان في العالم. من هنا يصعب في بعض الحالات تقدير الرأي العام المحلي تجاه قضية معينة، خصوصا في ظل حقيقة أن مجموعات من النشطاء خارج الإقليم أو مجموعات أخرى موجهة يمكن أن تؤثر في اتجاهات الرأي العام حيال الموضوعات المطروحة.

في الخلاصة فإن الرأي العام الإلكتروني يختلف في بعض أبعاده وعناصره وآليات اشتغاله عن ذلك التقليدي، وليس من مسوغ لوصف الرأي العام عبر الوسائط التكنولوجية بأنه رأي عام افتراضي، لأن الرأي العام عبر الوسائط لا يلغي أنه تعبير عن الرأي العام حول قضايا واقعية، ومن أناس واقعيين، فهو إذن رأي عام إلكتروني لأنه يشير إلى الفضاء الذي تجلت فيه تعبيرات الرأي العام. أما يشوبه من شوائب فإن الرأي العام التقليدي أيضا لا يخلو من بعض الشوائب والإشكاليات والالتباسات.

خامساً- طبيعة العلاقة بين الرأي العام التقليدي والإلكتروني: بين التشاركية وتبادل الأدوار

اتضح من خلال الأدب النظري، ومن خلال الملاحظة التي عرضنا تحليل نتائجها في المحاور السابقة، اتضح أن ثمة تداخلا وتشابها كبيرين بين الشكلين من الرأي العام يشمل الجمهور والقضايا وخصائصها وأهداف التعبير وآليات اشتغاله والنتائج المتوقعة منه، واتضح كذلك أن ثمة بعض التمايز بين الشكلين، التقليدي والإلكتروني، ولعل مثل هذا التمايز والتباين يميز الكثير من الظاهرات الاجتماعية، والحقيقة أن ذلك لم يكن بظاهرة جديدة في مستوى وسائل الاتصال والإعلام منذ نشأتها في التاريخ، وفي ضوء تكنولوجيا الاتصال الشبكية الحديثة فإن ظاهرة التأثير المتبادل باتت أكثر حضوراً إلى درجة الاندماج التام أحياناً، وتظهر تجارب أخرى فجوة كبيرة أو قطيعة في بعض الممارسات الاتصالية القديمة والحديثة. ونقترح في هذه الدراسة، توصيف العلاقة بين الرأي العام التقليدي والرأي العام الإلكتروني في ثلاثة نماذج تتفعل وتبرز وفق سياقات مختلفة ما تزال بحاجة إلى دراسة، وهذه النماذج كالآتي:

النموذج الأول- نموذج الرأي العام التقليدي القائد

يتصف هذا النموذج بأن الحوار والتعبير عن المواقف والاتجاهات ينطلق من أرض الواقع ثم ينتقل بعد وقت ما إلى الشبكات الإلكترونية. في هذا النموذج قد يبدأ الفعل من الواقع بتظاهرات أو اجتماعات، أو بيانات مكتوبة، أو تصريحات ومقالات في وسائل الإعلام المختلفة، ثم يتطور إلى حملات وسجّالات وحوارات عبر الشبكات التي تضم الهواتف والإنترنت، هذا من حيث الاتجاه.

أما من حيث البناء structure المنتج للرأي العام، فهو قد ينطلق من الأبنية التقليدية للرأي العام، وبالتحديد من النخب التي تمثلها، مثل الأحزاب والجماعات المنظمة الأخرى المدنية والأيديولوجية وجماعات المصالح المختلفة؛ بما في ذلك المؤسسات الإعلامية الحكومية.

وقد أمكن ملاحظة أن بعض موجات الرأي العام في الواقع سرعان ما انتقلت إلى الواقع الشبكي الإلكتروني، والأمثلة في ما سمي "ثورات الربيع العربي" كثيرة جدا. ومن أمثلة هذا النموذج في الساحة الأردنية ما يقع من مسيرات ومظاهرات تضامنية مع المسجد الأقصى الذي يتعرض لعدوان قوات الاحتلال ومستوطنيه منذ الاحتلال، وفي الواقع فقد عرفت مثل هذه الأنشطة قبل نشوء شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وهذه المسيرات كثيرا من تنطلق بعد صلاة الجمعة وتشارك بها جماعات تستند إلى أبنية اجتماعية مختلفة أهمها البناء الديني والقومي، وقد وقع آخرها في 12 تموز 2017 في العاصمة عمان وعدد من المحافظات الأخرى، وتقوم عليها أحزاب ونشطاء يقومون بالاجتماع والتنسيق والتحضير لبعض الترتيبات. وإثر ذلك كثيرا ما تطورت هذه الأنشطة إلى حملات تضامنية واحتجاجية عبر الشبكات الإلكترونية. وقد عادت مثل هذه المظاهر الاحتجاجية إثر قرار الرئيس الأمريكي ترامب في السادس من ديسمبر/كانون ثاني 2017.

والملاحظة الجوهرية في هذا النموذج أن قيادية الرأي العام الواقعي عادة من تأتي في سياق:

 1- أن مجموعة منظمة تبادر إلى تعبئة الرأي العام وإعلامه بما يلزم من معلومات أو أخبار، حتى لو كانت تلك القوة المنظمة نخبوية، سرية أو علنية، قانونية أو غير قانونية، ومثال ذلك تجربة حركة "كفاية" المصرية التي بدأت نشاطها عام 2004 حينما وقّع ثلاثمائة من المثقفين المصريين والشخصيات العامة وثيقة تعارض استمرار الرئيس السابق حسني مبارك في الحكم، وطال الأمر بضعة شهور حتى بدأ صوتها يتسلل إلى الشبكات الإلكترونية، وما هي إلا سنوات حتى سطع نجم الحركة وانتشرت أنشطتها في الشبكات الإلكترونية.

2- ليس كل ما يجري التحضير له في الواقع يمكن أن ينتقل إلى الفضاء الإلكتروني، فكثير من الحملات التي أطلقها نشطاء فيما سمي "مجموعات الحراك الشعبي" في الأردن منذ بداية العام 2011 فشلت في الانتقال إلى الفضاء الإلكتروني، وقبل ذلك فشلت في الواقع، رغم أن بعضها الآخر نجح أيضاً.

النموذج الثاني-  نموذج الرأي العام الإلكتروني القائد

يتصف هذا النموذج بأن النشاط التعبوي والتعبير عن المواقف والاتجاهات ينطلق من الشبكات الإلكترونية ثم ينتقل إلى الواقع، إذ تكون الفضاءات الإلكترونية ساحات اللقاء الرئيسة، هنا تبدو الأبنية التي تنطلق منها هذه الاتجاهات غير محددة تماما، لكنها تعتمد بالضرورة على نشاط النخب كما في الشكل التقليدي، والفرق أن النخب الإلكترونية تستند إلى نشاطها ومهاراتها التواصلية أكثر مما تستند إلى مكانات اجتماعية أو وظيفية كما سبق الإشارة له.

على أنه يصعب الانطلاق في صناعة رأي عام إلكتروني دون الاستناد إلى قضية حقيقية تهم قطاعات واسعة من الرأي العام أو الجمهور. لكن يبدو أن ليس من المهم أن تكون القضية مهمة، أو حتى واقعية، وكما سبق لجوستاف لي بون تأكيده فليس المهم للجماهير أن تكون القضية واقعية/ حقيقية أو غير واقعية، بل المهم أنها تستحوذ اهتمام الجمهور. ومن أمثلة ذلك قضية أثارت الرأي العام الأردني أوائل شهر 8/ 2017، وعرفت بقضية "الشمطاء"، إذ أعاد بعضهم نشر تسجيل قديم لعجوز مسنة تنقل فيه كلاما في جلسة خاصة اعتبر شتما أو قدحا ببعض المدن الأردنية، وسرعان ما انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي حملات واسعة تهاجم ما شخّصه المستخدمون اسماً نسباً للمرأة بصرف النظر عن مدى دقة ذلك التشخيص، حدث ذلك في الوقت الذي كانت الساحة الأردنية تعاني من رفع أسعار السلع وزيادة الضرائب وغضب شعبي عارم وأزمة دبلوماسية مع "إسرائيل" عقب قيام أحد موظفي سفارتها في عمان بقتل مواطنين أردنيين في أواخر شهر تموز/7.

فإذا ما استطاع القائمون على حملة الرأي العام عبر الشبكات من اكتساب التعاطف والتأييد في مستوى الفضاء الإلكتروني، فإن النشاط قد ينتقل إلى أرض الواقع بالاجتماعات والحوارات والمظاهرات، ومن الأمثلة البارزة في هذا المجال المسيرات والاعتصامات التي انطلقت في الأردن وغيرها من الدول العربية للتنديد بالصور والأفلام الأجنبية التي تعمدت الإساءة للرسول الكريم على مدى سنوات سابقة. وكان أقوى تلك المسيرات الاحتجاجية قد وقع في الأردن بتاريخ 15 أيلول / سبتمبر 2012.  شارك فيه عشرات آلاف المواطنين في بضع مدن أردنية بما فيها العاصمة[2].

النموذج الثالث-  نموذج تشابك التقليدي (الواقعي) بالإلكتروني

وهو النموذج الذي يعبر عن التداخل الكبير الذي أصبح يميز بيئة الاتصال الحالية، إذ يتداخل الواقع في العالم الإلكتروني من إنترنت ووسائل إعلام إلكترونية أخرى، فينعكس الواقع في الإلكتروني، ويلقي الإلكتروني ظلاله على الواقع، وهنا تتحقق علاقة التشابك، وهي علاقة لا تمثل بعلاقة المرآة العاكسة، فنحن لا نعلم الصورة من الانعكاس، إذ في كثير من الحالات يصعب وضع حدود فاصلة للظاهرة إن من حيث تحديد منشئها والمصدر الذي بادر بإطلاقها، وعبر أي وسيط، وفي أي تاريخ، وهذا ما وقع في قضية ما سمي العجوز الشمطاء.

إننا في النتيجة إزاء بيئة اتصالية مختلفة، تمتاز بما تمتاز به الإنترنت من شبكية أو تشبيك اجتماعي وميدياتيكي، وسرعة، وسهولة، وتدفق هائل، وإتاحة لمختلف الفئات الاجتماعية، وأفقية في التواصل وفي حركة الرسائل، وتفاعليه تتيح النقاش والحوار العقلاني والأيديولوجي والديماغوجي والإقصائي أيضا، وفي مرات عديدة، بتنا نحتاج إلى أسلوب دراسة الحالة وتحديد السياق أو الموقف كي نحدد علاقة التشابك ودور النشاط الإلكتروني فيها، بمعنى عدم وجود قانون صالح للتعميم لكل هذه الحالات، وفي هذا الصدد يشير كاستلز Castells  M.أن المجتمع الشبكي يتجلى في العديد من الأشكال المختلفة، وفقا لثقافة والمؤسسات، والمسار التاريخي لكل مجتمع (Castells, 2005,4).

إنها بيئة التنوع، وبيئة التجزئة والاندماج في الوقت نفسه، وكل تلك الخصائص تعكس نفسها على عملية الرأي العام، وفي آليات اشتغاله، وفي النخب النشطة فيه، وفي الآثار المتوقعة منه.

خاتمة

في الختام يمكن إيجاز أهم استخلاصات هذه الدراسة كالآتي:

1- يصعب التفريق بين رأي عام واقعي وآخر / إلكتروني، بل إن الرأي العام هو نفسه، والإنسان وقضاياه ودوافعه ومراميه هي نفسها أيضا، فإن اختلاف الوسيط لا يجعل من الرأي شيئاً آخر، بل هو رأي واقعي لكنه قد يتمايز عن التقليدي في بعض آليات اشتغاله، وفي خصائص النخب القائمة عليه، فهي نخب تتألف من نشطاء ونجوم عاديين، وما يميزهم أنهم يحسنون استخدام وسائل الاتصال والإعلام في التأثير في اتجاهات الناس وآرائهم، وعليه لا يعد مصطلح افتراضي مناسبا لوصف الظاهرة موضوع الدراسة.

2- إن تحديد علاقة التأثير بين الرأي العام الإلكتروني والرأي العام التقليدي يتطلب تحديد السياق السياسي الاجتماعي لكل حالة مخصوصة؛ ذلك أن تلك العلاقة تتحدد بمؤثرات السياق Context في البيئة المحلية (المعادلات الحزبية) أو الإقليمية أو الدولية، وذلك ما يعني عدم وجود قانون لهذه العلاقة قابل للتعميم على مختلف الحالات.

 3-  ثمة نوعين من المقاييس أو المعايير التي يمكن من خلالها تقدير قيمة ظاهرة الرأي العام، الأول هو المقياس الكمي القائم على العدد والنسب المئوية، والثاني القائم على معاينة التأثير في حيز المجال العام أو في اتجاهات صناع السياسات.

4- لدراسة بعض حالات الرأي العام، يتوجب تصميم منهجي مخصص لدراسة الظاهرة وفق القضية أو الموضوع والمجتمع والعينة الإلكترونية (الوسيط أو القنوات الاتصالية) فما يناسب من الأساليب والأدوات المنهجية لهذا الوسيط قد لا يناسب وسيطا آخر.

المصادر

- جمال الزّرن (2008) "الإرهاب والإنترنت: تجليات رأي عام افتراضي"، في الإعلام والرأي العام في مرآة العالم العربي، في أشغال ملتقى معهد الصحافة وعلوم الإخبار (تونس).

- جمال الزّرن (2016) " الإعلام العربي منظورا إليه في التعددية والتلقي والمجال العام" في عبد المولى عز الدين والميلادي نور الدين (محررين)، الجزيرة في عشرين عاما، الدوحة، الدار العربية للعلوم ناشرون، ومركز الجزيرة للدراسات.

- جمال مجاهد (2004) الرأي العام وقياسه، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية.

-  ديفلير، ميلفين وركيتش، ساندرا بول (1993) نظريات وسائل الإعلام، ط1، ترجمة كمال عبد الرؤوف، القاهرة، الدار الدولية للنشر والتوزيع.

- حميدة سميسم (2002) نظرية الرأي العام، عمان، دار ومكتبة الحامد.

- لي بون، غوستاف(1991) سيكولوجية الجماهير، ترجمة وتقديم: هيثم صالح، بيروت، دار الساقي.

- محمد عبد الحميد (1997) نظريات الإعلام واتجاهات التأثير، القاهرة، عالم الكتب.

- منال هلال المزاهرة (2012) نظريات الاتصال، عمان، دار المسيرة.

- نخبة من أساتذة قسم الاجتماع (1985) معجم مصلحات العلوم الاجتماعية، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية.

- سالم يفوت (2013) "فلسفة التواصل عند هابرماس"، مجلة الكلمة، عدد 78 أكتوبر/ تشرين أول 2013، طنجة، المغرب.

- عزام أبو الحَمام (2011) الإعلام والمجتمع، عمان، دار أسامة للنشر والتوزيع.

- صبري ربيحات (2017) "النجوم الجدد" صحيفة عين الأردن الإلكترونية، 1/10/2017، على الرابط: http://cutt.us/tDpj9

- رشيد العلوي (2015) الفضاء العمومي من هابرماس إلى نانسي فريزر" في موقع حريات بتاريخ (26/1/2015)، http://www.hurriyatsudan.com/

مراجع أجنبية:

- Allport, Floyed H (1937) "Toward a Science of Public Opinion" Public Opinion Quarterly, Volume 1, Issue 1 (Jan., 1937), 7-23. Stable URL:

http://www.uvm.edu/~dguber/POLS234/articles/allport.pdf

- Castells, Manuel (2005) "Understanding Social Transformation". p 3, In:

 Castells, Manuel and Cardoso, Gustavo, eds.(2005) The Network Society: From Knowledge to Policy. Washington, DC: Johns Hopkins Center for Transatlantic Relations.

- Goidel, Kirby; (Editor) (2011) Public Opinion Polling in a Digital Age: Meaning and Measurement. Published by Louisiana State University Press.

- McQuail D,2005, Mass Communication Theory, 5edition. (Sage Publications, London. Thousand Oaks. New Delhi).

- Pareto, Vilfredo (1935)The mind and society, edited by Arthur Livingston ; translated by Arthur Bongiorno and Arthur Livingston with the advice and active cooperation of James Harvey Rogers. New York : Harcourt, Brace

 

 

[1] - صبري ربيحات، متخصص في علم الاجتماع، كاتب وناشط سياسي ووزير سابق.

[2] -  للتفاصيل أنظر: جريدة الدستور الأردنية (15/9/2012) على الرابط: http://cutt.us/bhail

د. عزام أبو الحمام    الجامعة العربية المفتوحة (فرع الأردن)

ملخص | مراجع   | تحميل PDF   

 31-01-2018

" data-share-imageurl="">