حفريّات معرفية في مفهوم المجال العموميّ

حفريّات معرفية في مفهوم المجال العموميّ

د. أمين بن مسعود

معهد الصحافة وعلوم الإخبار. جامعة منوبة تونس

 

Abstract

This study aims to overcome the classical approach of the public space concept, which confines it to the historical secularization associated with the European bourgeois context, to refer to the epistemological code collection that has examined the bourgeois public space from the several aspects of criticism and review for 30 years of study and cognitive interaction.
This research simplifies also the concept development in terms of its implications, inferences, and procedural stances, by extrapolating the German philosopher Jürgen Habermas’ writings about "the public space", which had been presented in his doctoral thesis (in 1962) entitled : "The Archeology of Advertising"
Starting from his thesis’ approach, Habermas has continued his researches to reach several thesis about modernization, shown especially, in his work "additional reviews on public space" in 1992
Founding between two key stages: the historical and the review, this research tracks the most important literature that dealt with the notions of criticism and analysis, especially the studies of the French sociologist Louis Curry,  the French philosopher John Mark Ferry, and the American researcher Nancy Fraser, moreover this research indicates the deep contributions of philosopher Hanna Arent about the carving of the public space concept

 

ملخّص

يعمد البحث إلى تجاوز المقاربة الكلاسيكية لمفهوم المجال العمومي والتي تحصره ضمن التأصيل التاريخاني البكر المقترن بالسياق البورجوازيّالأوروبي، متطرّقا إلى مجموعة المدونة الابستيمية التي عالجت المجال العموميّ البورجوازيّ من زوايا النقد والمراجعة العميقة طيلة 30 سنة كاملة من التدارس والتفاعل المعرفيّ.

ويبسط البحث عبر طرق "تاريخانيّة معرفيّة" تطوّر المفهوم من حيث مضامينه ودلالاته والرهانات الإجرائية المتعلقة به من خلال استقراء لكتابات الفيلسوف الألماني يورغان هابرماس الأولى حول المفهوم والتي توّجها برسالة دكتوراه بعنوان "أركيولوجيا الإشهار" في 1962 , وصولا إلى مقاربات التحيين والمحايثة والتبيئة التي أدخلها هابرماس على المفهوم ذاته من خلال مصنفه "مراجعات إضافيّة حول الفضاء العموميّ"في 1992.

وبين مرحلة التأصيل ومرحلة المراجعة، تتبّع البحث أهمّ الأدبيات المعرفية التي تناولت المفهوم بالنقد والتحليل متصفحا مدونّة بحثية في الصدد على رأسها أشغال عالم الاجتماع الفرنسي لوي كيري والفيلسوف الفرنسي جون مارك فيري وليس انتهاء بالباحثة الأمريكية نانسي فريزر مع تطرّق للإسهامات العميقة للفيلسوفة حنا أرنت في نحت مفهوم المجال العموميّ.

 

المقدّمة

لم يجانب الأكاديمي المغربي الدكتور نور الدين أفاية(أفاية, 2014) الصواب عندما اعتبر أنّ الفيلسوف الألماني يورغان هابرماس يمثّل لحظة فكرية من أعمق لحظات الفكر الغربي المعاصر ذلك انّ إنتاجاته المعرفية سيما تلك المتعلقة ب"المجال العمومي" أثّرت عميقا في المدونة الفلسفية والسياسية والاتصالية الأكاديمية وذلك بما يكتنفه البراديغم من تقاطع بين الخلفيات النظرية والجوانب الإجرائيّة التطبيقيّة.

فعلى مدى أكثر من ثلاثين سنة منذ تأصيل يورغان هابرماس للبراديغم والذي شكل محور أطروحة دكتوراه تمت مناقشتها في 1962 بعنوان أركيولوجيا الإشهار بوصفه مشكلا للمجال العمومي في المجتمع البرجوازي كان"المجال العمومي" محور تطرّق ابستيمي صلب المدونة البحثية في العلوم الإنسانية بشكل عامّ وفي مبحث علوم الإعلام والاتصال بشكل خاصّ.

ولئن جالت معظم البحوث حول إجرائيّة البراديغم ومعياريتّه, فإنّ قلّة من البحوث تطرّقت إلى أركيولوجيا البراديغم وتتبعت مسار تطوّره العلمي انبثاقا من الأصول الفلسفية التي ساهمت في بلورته مرورا بالقراءات النقدية التي ساهمت في إثراء النقاش العلمي والتاريخي حوله وانتهاء بالمراجعات الفكرية التي أدخلها يورغان هابرماس ذاته في البراديغم.

إذ لا يمكن استكناه مقولة "المجال العمومي" لدى الفيلسوف الألماني يورغان هابرماس دون ربطها بأربعة أصول وسياقات معرفيّة كبرى , وهي أوّلا الجذور الابستيميّة للمجال العمومي الهابرماسي , ثانيا الأطر التّاريخيّة والسياسيّة لنشأة "المجال العمومي البورجوازيّ", ثالثا الاستدراكات الفلسفيّة والمعرفية للمجال العمومي الهابرماسيّ , ورابعا مراجعة هابرماس-على ضوء الانتقادات الموجهة – للبراديغم البكر للمجال العموميّ.

وهو بالضبط ما ستسعى هذه الدراسة إلى استجلائه تحقيقا في "تاريخانية" البراديغموالبراديغم المفسّر لسيرورة التاريخ الإنسانيّ.

حفريّات تاريخية وفلسفيّة وسوسيولوجيّة لمفهوم "المجال العموميّ"

بالعودة إلى المنطلقات الفلسفية والسوسيولوجية المؤسسة لمفهوم "المجال العموميّ" بالإمكان رصد ثلاثة مشارب فكريّة أثّرت بصفة ملحوظة في التأصيل النظري لدىيورغان هابرماس وتجسّدت صلب براديغم "المجال العموميّ".

المشرب الأوّل كامن في أشغال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط حول "الكليات الأخلاقيّة" والتي وظّفها هابرماس في مسائل أخلاقيات النقاش بديلا عن أخلاقيات الواجب وأخلاقيات المنفعة.

غير أنّ التأثير الكانطي الأهمّ في المنجَز الهابرماسي كامن في مقولة "الفضاء العموميّ" والتي يعود لكانط قصب السبق في الاجتراح والاستخدام دلالة على التوسّط بين جهاز الدولة والعامّة المتعلمّة وفق مقولته في رسالته "ماهو التنوير؟"والتي أبرقها كانط للقسيس جوهان فريدريك زولنرمحاججا إياه حول مفهوم "الوصاية الدينيّة" ومؤكّدا أنّ التنوير يقتضي مبدأ الحريّة والذّي لا يمكن أن يتكرّس في سياق الوصاية الدينية أو الملكيّة.

ربط كانط بشكل شرطيّ بين "الأمّة المستنيرة" وتشكيل الفضاء العامّ حيث يعتبر إنّ "التنوير لا يتطلب إلا الحريّة ,وابسط ما يمكن تسميته حريّة هو أن يكون الفرد حرّا في استخدام عقله الخاصّ علنيا في كلّ الأمور....استخدام الفرد لعقله علنّيا يجب دوما أن يكون غير مقيّد ... وهذا وحده ما يجلب التنوير" (كانط, 2015).

من الواضح أنّ قضايا النقاش حول المسائل العامّة ولدت في هذا الطرح الكانطي، كما أنّ مبادئ الحريّة و"المواطنة ما فوق الوصاية" و"التوافق القائم على النقاش أو مايسميه كانط بالاستخدام العلني والحرّ لعقل الفرد، شكّلت إرهاصات بناء المجال العمومي الهابرماسيّ.

ولئن اقتصر المجال العمومي وبالتالي النقاش عند كانط بالفئة المتعلّمة Men of letters فإنّ مدوّنته الفلسفية شكّلت أساس التفكير الهابرماسي سيّما في مسألة التداول في القضايا السياسيّة تكريسا لمبادئ العقلانية والحريّة وهو ما لاحظه عدد من الفلاسفة على غرار الدكتور مولاي حيسون (حيسون 2010) في بحثه عن المجال العمومي عند يورغان هابرماس.

المشرب الفكري الثاني لمقولة المجال العمومي تجسّد في أشغال السوسيولوجي الأمريكي روبرت ميد سيّما في نظريته في التفاعل الرمزي (Mind,1934 )بين "الأنا والآخر" حيث وظّف هابرماس أسس نظرية التفاعل الرمزي وخاصة علاقة "التذاوت" في النقاش العموميّ الذي يمّثّل الاعتراف المتبادل المناقض للإقصاء والاستبعاد أحد أهمّ ركائزه.

إذ تنبني نظرية التفاعلية الرمزية على وجود عملية تواصل بين الأفراد عن طريق اللغة تستخدم فيها الرّموز والعقل، وتستثمر فيها "الآخر" و"الأنا" كأداة علمية لتحليـل السـلوك الإنسـاني والظـاهرة الاجتماعية ككلّ.

استفاد هابرماس من النظرية التفاعليّة لجورج ميد في 3 نقاط اساسيّة وهي:

  • التذاوت بين "الأنا" والآخر حيث يعتبر ميد أن الذات تنشأ وتتطور مجتمعيا من خلال عملية التفاعل الاجتماعي؛ إذ يبدأ الفرد بالتعرف على ذاته من خلال آراء الآخرين فيه (كمال عويسي 2008, ص 5) فالذات لا توجد إلا في علاقة مع جماعات اجتماعية ، لأن الفرد ينتمي إلى بناء اجتماعي عـام الأمر الذي يتطلّب الاعتراف المتبادل المنوط بالتأكيد الأخلاقي للذات في أفق القيم الاجتماعية والغايات.
  • تحويل "العقل" من الفضاء الخاصّ إلى الفضاء العامّ على اعتبار أنّه ظاهرة اجتماعيّة فضمن النظرية التفاعلية الرمزيّة العقل والذات والوعي والفعل ظواهر جماعية وليست فردية تشـتمل علـى أدوات وعلاقات ونظم اجتماعية.
  • مقولة "الأنا الاجتماعيّة" المكوّنة من اتجاهات الآخرين ومواقفهم حيال "الذات" , ما يعني أنّ الذات هي عبارة عن مرآة ينعكس عليها ما يوجد في المجتمع والثقافة التي يعيشها الفرد.

المشرب الثالث متجسّم في أطروحات هيغل (1770 – 1831) , لاسيّما محاضراته في جامعة إييناIéna والتي اعتبر خلالها أنّ مراحل تكوين العقل البشريّ تمت بطريقة "حواريّة".

من الواضح أنّ هابرماس أبرز تقاطعه وتأييده لهذا الطرح الهيغلي – الذي قدّمه هيغل في سنوات شبابه - , نظرا لاعتبارين اثنين , أوّلهما لقيمة "التواصل التذاوتيّ" في مقاربته للمجال العموميّ ودوره في تأصيل مشروع كانط حول السلام الدائم (نور الدين علوش,2013)ودعوته إلى مواطنة كوسومبوليتيّة , ثانيها لسعيه إلى تقويض المقولة الماركسيّة التي ترى أنّ تفسير النشاط الإنساني محوره العمل فقط.

لا يغيّب هابرماس دور العمل في النشاط الإنساني , ولكنّه لا يفرده بطابع التفرّد في تفسير الظواهر الإنسانيّة وتاريخ البشريّة , ذلك أنه يؤكّد استحالة الحديث عن كينونة مجتمع معيّن دون وجود عامل التفاعل والتواصل بين أفراده , وهو الأمر الذي انعكس على تقسيم هابرماس الثنائيّ لمظاهر الحداثة والترشيد والعقلنة التي عرفها العالم الحديث والذي وازن خلاله بين "العمل" و"التواصل" والمتمثّل في :

+ العقلانية الأداتيّة: وهي العقلانية التي تخضع للحساب الواعي الذي يدرس كيفيّة الوصول إلى أهداف بحدّ ذاتها كموضوع حساب وهي غير خاضعة للطابع القيميّ بل لطابع عمليّ.

+ العقلانية التواصليّة : تنظّم عملية التفاعل بين أفراد المجتمع وتصوغ فهم الجماعة لذاتها ويظهر هذا النوع من العقلانية في المجال الأخلاقي والسياسي الذي ينظم الشرائع والمعايير الجاري بها العمل(مصدّق حسن, 2005, ص133).

لذا يتبنّى هابرماس موقف هيغل الخاص بجدليّة الحوار في الظاهريّة الثلاثيّة للعقل (الذاتي والموضوعي والاجتماعيّ) , كأساس لإشكاليّة الجمعنة ( بمعنى الاجتماع) والتي يتمّ تصوّرها كتعبير عن استبطان الذات للموضوع في تشكيل العالم الاجتماعيّ , حيث أنّ العلاقة من الآخر إلى الذات ومن الذات إلى الآخر ليست تمثّلا للما بين – ذاتيّة , ولكنّها طريقة للتنشئة الاجتماعيّة حيث يحدّد هيغل الذات كـ"من يجد تعريف نفسه في الآخر"(مصدّق حسن, 2005, 134).

من داخل هذه المنظومات الفكرية والفلسفيّة الأساسيّة بنى هابرماس براديغم "المجال العموميّ" الذي وإن نزّله كانط بما يجب أن يتحقّق من منشود الأمة المستنيرة ومن مقتضيات الحريّة ومن الاستخدامات العامّة للعقل , ذلك أنّه يعتبر أنّ الأفراد في عصره – وهو عصر الملك فريديرك-غير قادرين على استخدام عقولهم في المسائل الدينية بثقة ومنهجية سليمة إلا بتوجيه خارجيّ , فإنّ هابرماس أصّل للمجال العام وفق الإثبات والتنزيل في سياق ثقافي وسياسيّ واقتصادي ومؤسساتي محدّد حتّى وإن تلاشى في وقت لاحق.    

 المقاربة الهابرماسية للمجال العمومي: التفكير مع هابرماس

تتبع يورغان هابرماس , مراحل تشكّل الرأي العام L’opinion publiqueفي أوروبا الغربية حيث استخلص أن صالونات النقاش العام وفضاءات الحوار الحر العقلاني التي انتشرت في أنقلترا نهاية القرن السابع عشر وفي فرنسا خلال القرن الذي تلاه , (Habermas, 1990) مكنت من بلورة فضاء عام ESPACE PUBLIQUE يتوسط مجال الدولة والمجتمع ومتأسس على ركائز الحوار والحجاج والتشاركية ومنبن على ركيزة الاقرار الجمعي بقدرة العقل على الحسم في المسائل المتعلقة بالحياة العامة.

هنا يفصل المتابعون والدارسون والناقدون لأثر يورغان هابرماس الموسوم ب »أركيولوجيا الإشهار بوصفه مشكلا للمجال العمومي في المجتمع البرجوازي"  أن العقلانية المعتمدة في المقاربة الهابرماسية تختلف , معرفيا وإجرائيا ,عن العقلانية الوظيفية rationalité fonctionnelle la لدى عالم الاجتماع الفرنسي Emile Durkheim الذي وكما يؤكد الكاتب الجزائري والباحث في المسائل الفلسفية عمر مهيبل خلال تقديمه لترجمة كتاب فلسفة التواصل للباحث في العلوم السياسية JEAN MARC FERRY , أنّه وفي غمرة بحثه عن منهج علمي صارم حول الظواهر الاجتماعية إلى أشياء تخضع لما تخضع إليه الظواهر الطبيعية من حتمية وموضوعية نسي وجود الإنسان العاقل المدرك الباحث عن التواصل مع العالم ومع الآخرين ( عمر مهيبل, 2006, ص 17).

وأنها – أي العقلانية وفق المنظور الهابرماسي – تختلف أيضا عن العقلانية الأداتيةrationalité instrumentale   لTheodor W. Adorno تيودور أدورنو والتي يعتبرها هابرماس انحرافا للعقل وإفسادا له.

ذلك أنها العقلانية لدى هابرماس هي عقلانية تواصلية مبنية على ما يسميها الفيلسوف الألماني بأخلاق المناقشة Ethique de conversation المتأسسة على مبدإ المحاججةl’argumentation كنقطة مركزية ومحورية للحوار والنقاش من جهة أولى , كمحدد تفاضلي بين الآراء والمقاربات المطروحة خلال النقاش العام من جهة ثانية , وكلبنة ركينة لكل صيغة تواصلية مثلى بين أفراد المجتمع من جهة ثالثة.

في هذه المفصل النظري يشير عمر مهيبل إلى أن ثلاثية »إيتيقا المناقشة الحجاجية  «  تصبح الصورة الجديدة لأية بنية عقلية منطقية تريد بلوغ صيغة تواصلية مثلى بين أفراد المجتمع الواحد (عمر مهيبل, 2006, ص17).

من هنا نتبين الأهمية المعرفية المنوطة بمبدإ العقلانية الحجاجية في الفضاء العمومي الهابرماسي والتي تمثل رفقة مبدئي الإعلان La Publicité  والتشاركية الجمعية اهم اللبنات المؤسسة للمجال العمومي , دون أن ننسى مبدأ ثقافة الحرية التي تمثل الحجر الأساس للمجال العمومي باعتبار أن »  الإمكانية السياسية للمجال العمومي لاتحتاج إلى الضمانات التي توفرها مؤسسات دولة القانون – الحريات الخاصة والعامة إضافة إلى نظام إعلامي مستقل – بل هي تقتضي أيضا تقاليد وأنظمة من التنشئة الاجتماعية وثقافة سياسية خاصة بجماعة إنسانية اعتادت على ثقافة الحرية  " (صادق الحمامي, 2011, ص16).

وعلى غرار رواد المدرسة النقدية في علوم الإعلام والاتصال, وجه يورغان هابرماس انتقادا ابستيمولوجيا لاذعا لهيمنة قوانين السوق وتغلغل العقلية التجارية في المنظومة الإعلامية بشكل عام وفي المجال العمومي بشكل خاص حيث قامت بعملية استيلابية للمفاهيم المركزية والمبادئ المحورية للفضاء العام , حيث استبدلت التفكر -هذا المبدأ القائم على الإعلان والتواصل الجماعي - بنموذج تجاري لتصنيع الرأي (جمال الزرن, 2007), كما عوضت الحجاج والنقاش الحر بالتبعية والاستهلاك (الحمامي 2011),واستعاضت عن سياق إيتيقا المناقشة الحجاجية بحلبة الهيمنة والنفوذ التجاري والسياسي للتأثير على الجمهور وتنميط آرائه, وهي أمور يرى هابرماس أنها تتنزل في سياق » رؤية إقطاعية جديدة للمجتمع  «(الزرن 2007).

وعلى الرغم من التقعيد النظري المتماسك الذي أطر خلاله هابرماس للمجال العمومي إلا أن طرحه وجهت له العديد من الانتقادات المعرفية والإجرائية.

وبالإمكان تقسيم الاطروحات الاستدراكيّة على مقولة المجال العموميّ إلى نموذجين اثنين، الأوّل نموذج النقد من داخل أطروحة المجال العمومي أي استنادا إلى الإطار الرمزيّ الهابرماسي التوسطي ولكن بنقد للأدوار وبنقض لميكانيزمات إنتاج المعنى، والثاني من خارج المجال العمومي حيث تطرّق إلى الفضاءات العامّة للمكوّنات الاجتماعية والاقتصادية والهوياتية التي لم تستوعبها الرؤية الهابرماسيّة. 

المقاربات النقديّة للمجال العمومي الهابرماسيّ - التفكير ضدّ هابرماس :

أ - المقاربة الآرنتية الكيرية– نسبة لحنا آرنت ولوي كيري -للمجال العمومي :

اعتمادا على البعد الرمزي للمجال العمومي بصفته وسيطا بين المجتمع والدولة وتسليما أيضا بالإطار النظري الذي ينزل فيه يورغان هابرماس الفضاء العمومي كسياق لتطارح الأفكار وتشكل الآراء حول المصلحة العامة للمجتمع ,تشكل المقاربة الإستيتيقيةl’approche esthétique  تصورها للفضاء العمومي وتمثلها إياه كمجال واقعي محسوس وليس مثاليا طوباويا.

حيث تعتبر هذه المقاربة الاستيتيقية أن النظرة الهابرماسية للمجال العمومي هي نظرة معيارية مثالية تحديدية لنماذج النقاش والحوار ولا تؤسس رؤيتها وطرحها على الوقائع الملموسة والمحسوسة.

إذ ترى ذات المقاربة الجمالية أن المجال العمومي هو حقيقة على الأرض يتشكل كظاهرة مجسدة ومرئية عبر ممارسات اجتماعية)P80,1992, Quéré).

في هذا المفصل النظري، تشكل أدبيات حنا أرنت حول السياسة والممارسة السياسية أحد أهم الروافد للمقاربة الجمالية الاستيتيقية للمجال العمومي، ليس فقط لأنها ألفت حول المجال العمومي la sphère publiqueوالمجال الخاص lasphére privée وفق المنظور السياسي، وإنما لأنها تعتبر أن المفهوم الأصلي للديمقراطية الحقيقية لا يتحقق إلا بمقتضى وجود مجال عمومي يتجلى فيه الفاعلون السياسيون للجمهور وتصقل خلاله الآراء والأحكام السياسية التي تخدم المجموعة البشرية.

وفي تفصيل لما تقدم، تؤكد المقاربة الجمالية للمجال العمومي أن مفهوم الإستيتيقا لا يتكرس واقعا إلا في حال توفر ثلاثة شروط أساسية مرتبطة عضويا ببعضها البعض )P81,1992, Quéré)

أ –ظاهرتيةla phénoménalité الفعل السياسي لا تكون إلا عبر التجليapparaitre على ركح / مشهد للظهور .

ب – استقبال la réception الفعل السياسي تكون عبر جمهور من المشاهدين قادر على إدراجه – أي الفعل السياسي- صلب أحكامهم التفكيرية jugements réfléchissants  وبالتالي تكوين آراء ومواقف تسعى إلى النجاعة والفاعلية.

ج – قدرة هذه الآراء والمواقف على إفراز حس مشترك وبما يفضي إليه من تكوين عالم مشترك مع الآخرين. 

وكما نتبين من هذه النقاط الثلاث فإن المجال العمومي الإستيتيقي مفتوح لكافة الأطراف في مستويات ثلاث وهي التجلي على مشهد الظهور، المشاركة في التمشي النظري لتشكيل الآراء وتكوين عالم مشترك.

تدور المقاربة الاستيتيقية للمجال العمومي على محورين كبيرين وهما , محور التجلي l’apparition  ومحور الحكم والموقف le jugement et le commentaire إذ تؤكد هذه المقاربة أنه دون الإدلاء بالموقف ودون التفاعل يفتقد مشهد الظهور قيمته وأهميته الأمر الذي يعني انهيار منظومة المجال العمومي.

وبين التجلي الذي بإمكاننا أن نضعه في إطار الفعل السياسي الأول والحكم الذي يمكننا أن ننزله في سياق الفعل السياسي الثاني يولد التفاعل بين الطرفين وينبثق من التفاعل عالم مشترك تؤكد المقاربة الجمالية أن الفضاء العمومي لا يستمد جوهره الابتسمولوجي إلا اعتمادا على مشهدية التجلي scénarité de l’apparaitreالتي لا تقوم على أساس تقديم أطراف ذاتية وجماعية محددة سلفا لجمهور المشاهدين وإنما تقوم هي بهذا الدور التحديدي , بعبارة أخرى أن الذي يعطي للذات مفهوم الذات وللجماعة معنى الجماعة وللجمهور عنصر الجمهور هو ذاك التجلي المشهدي الذي يعيد إنتاج المعاني والمفاهيم والأدوار للمشاركين في الفضاء العمومي )P81,1992, Quéré).

في هذه النقطة بالذات تشدد المقاربة الجمالية على أن الجمهور المعني هو ذاك الجمهور القادر على تكوين الآراء وتشكيل الحس المشترك وليس غيره من الجماهير الأخرى.

المقاربة الجمالية بأبعادها الواقعية والتفاعلية ستضعنا في إطار مقاربة ثالثة للمجال العمومي تقوم أساسا على البعد التواصل الإجرائي في الفضاء العمومي.

ب - المقاربة الفيرية– نسبة إلى جون مارك فيري - للمجال العمومي :

بذات النفس العلمي الذي أصل من خلاله لوي كيري مقاربته الجمالية للمجال العمومي بلور جون مارك فيري طرحه للفضاء العمومي منطلقا من نقد تفكيكي للمقاربة الهابرماسية ومؤسسا لمجال العمومي أكثر حميمية وتجسيدا للعملية التواصلية داخل الحياة الاجتماعية.

ففي مقاله المعنون ب » تحولات الإشهار السياسي les transformations de la publicité politique » (Ferry J, 1989, p6 , 7 ) يضع فيري مقولة المجال العمومي البورجوازي على مختبر النقد النظري الإجرائي معتبرا أن التحولات الابتسمولوجية العميقة التي عرفها القرنان التاسع عشر والعشرون كفيلة بإحداث ثورة معرفية صلب مفهوم المجال العمومي.

وفي عملية تفكيكية لمفهوم الفضاء العمومي، يختبر فيري القدرة التفسيرية لمفهوم »   العموم public  « المرتبط عضويا وسببيا بالرأي العام الذي فقد معناه الانسحابي والتمثيلي لمجموعة كاملة من المجتمع بعد انفجار العمليات الإحصائية والمقاربات الكمية للجمهور والتي أظهرت أنه يعاني من تجزءةهيكلية عميقة ومن اختلافات كبيرة – على اساس المصلحة الفردية والجماعية – قد تصل إلى حد التناقض الكلي.

هذا دون تجاهل الاثر الذي تركته مؤسسات وهياكل الصناعات الثقافية – وفق المدرسة النقدية لوسائل الإعلام والاتصال- على الجمهور من خلال ممارستها للعنف الرمزي violence symbolique- على حد تعبير عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو- ضده الأمر الذي أدى إلى إجهاض مبدأ العقلانية باعتباره اللبنة الأساس في البناء النظري للمجال العمومي وفق المنظور الهابرماسي.

الجزء الثاني من منظومة النقد الفيري انصبت [1]حول مفهوم » المجال «  , حيث اعتبر أن المجال الهابرماسي شهد توسعا وامتدادا أفقيا وعموديا , ذلك أن المجال العمومي لم يعدد مقصورا على تأمين العملية التواصلية داخل مجتمع محدد وإنما تجاوز هذا المستوى ليصبح فضاء تفاعل بين المجتمعات , كما أن القضايا المطروحة لم تعد مختزلة في جانبها السياسي الثقافي ذي المصلحة العامة – وفق المنطوق الهابرماسي- وإنما امتدت لتشمل المسائل الشخصية والمواضيع غير المرتبطة بالمصلحة والمنفعة العامة.

وفي تفاعل جدلي بين العملية التفكيكية والمنظومة التأسيسية لمجال عمومي مغاير للمقاربة الهابرماسية، ينطلق فيري من الحياة الاجتماعية ليعتبر أن المجال العمومي هو بمثابة الإطار التواصلي الإعلامي الذي بفضله تتمكن الأدوات التقنية والمؤسساتية من عرض ونقل كافة جوانب الحياة الاجتماعية إلى الجمهور.Ferry, J, 1989, 20)).

بمقتضى هذا البسط، يربط فيري بين اربعة أفكار اساسية وهي التواصل، الحياة الاجتماعية،التقنية،الجمهور.

وفي تصوره أيضا يستل المجال العمومي أهميته المعرفية والإجرائية من خلال عكسه للحياة الاجتماعية ووصول هذه الرسالة الإعلامية إلى شريحة من الجمهور التي يطلبها.

هكذا يستحيل المجال العمومي لدى فيري إلى وسيط تنظر الإنسانية من خلاله إلى ذاتها، (Ferry ,1989, p 11) إنسانية تتجاوز البعد المحلي الضيق لتتجلى في فضاء عمومي افتراضي عابر للقارات وللهويات وللغات وللمسائل المعالجة ايضا , لهذه الأسباب فإن فيري يرى أن المجال العمومي منفتح على كافة وسائط التعبير )الورقية , السمعية , البصرية , الالكترونية..(  القادرة على إخراج الأفكار والآراء والأحداث من سياقها الاجتماعي الضيق لتضعها صلب الإطار العمومي الأوسع حيث يتم عرضها أمام جمهور هو وفق المقاربة الفيرية » الإنسانية بأكملها. 

وبهذا الطرح، يكون الفيلسوف الفرنسي جون مارك فيري قد نزل المجال العمومي في سياق اجتماعي تواصلي تفاعلي يعكس  »الواقع كما هو «  دون الاستناد إلى محددات معيارية مثالية تستشرف الواقع أكثر مما تجسده.

ج –مقاربة نانسي فرايزر : المجال الهامشيّ الأقلياتي في مقابل المجال العمومي المركزيّ :

تعتبر المقاربة النقديّة للباحثة الأمريكية في الفلسفة السياسيّة نانسي فرايزر واحدة من أهمّ الأطروحات النقديّة للمجال العمومي البورجوازي الهابرماسي بالنظر لشموليتّها الفكريّة حيث انّها استدركت لا فقط في مستوى التحوّلات البنيويّة للفضاء العامّ بل أيضا لتحفّظها حيال "نمذجة" البراديغم وسحبه على سياقات تاريخية وسياسيّة بعيدة كلّ البعد عن الإطار التاريخي الذي نشأ وظهر فيه ما ينجرّ عنه قصور في التحليل عائد إلى معضلة الإسقاط في غير السياق الأصليّ.

تنتقد فرايزر في مؤلفها المعنون ب" ماهي العدالة الاجتماعية؟ وفي بحثها الموسوم ب"إعادة التفكير في المجال العامّ" ,(نانسي فريزر, 2015)  الإطار الويستفالي  الذّي تأسست عليه الدولة الوطنية الأوروبية L’ETAT NATION إبّان القرن السابع عشر والثامن عشر والذي أفرز المجال العموميّ البورجوازيّ معتبرة أنّ تحويل هابرماس هذا الإفراز التاريخي والسياسي إلى نموذج تفسيري معياريّ مجانب للمقولة العلمية الرصينة ذلك أنّ الإطار الويستفاليّ– شرط الدولة الوطنية الشرط المؤسساتي لنظريّة التوسط الرمزي بين الدولة والمجتمع- لم يعد حاكما ولا مؤطرا لمفهوم الدولة الأوروبية الراهنة بحكم مقتضيات العولمة وتحوّل العالم إلى قرية صغيرة متشابكة وتنامي الظواهر العابرة للأوطان ونشأة ما تسميه فرايزربالمواطنة الكونيّةالأمر الذي يدفعها إلى اجتراح مفهوم "المجال العموميّ ما بعد البورجوازيّ" (نانسي فريزر, 2015) l’espace public post – bourgeoisie .

وتصرّ الفيلسوفة الأمريكية على تجاوز البورجوازية مع الإبقاء على "المجال العامّ" , مؤكدة أنّ هناك مجالات عامّة عديدة بعيدة عن فكرة النموذج الأوحد الذي تبناه هابرماس , سواء تلك التي نشأت مع المجال البورجوازيّ خلال ذات القرنين السابع عشر والثامن عشر , على غرار مجال صغار الفلاحين والنساء والنخبة المتعلمّة وجمهور الطبقة العاملة , متطابقة مع طرح المؤرخ البريطانيّ GEOFF ELEY من حيث التأكيد بأنّ العلاقة بين الجمهور البورجوازي وباقي العمومي هي دوما علاقات صراع اجتماعيّ, فلا يمكن أن يولد الفضاء العامّ إلا في خضمّ الصراع الاجتماعيّ لا كما يعتبر هابرماس على اساس التوافق العقلانيّ , ما يعني وفق فريزر وإيلي بأنّ الأنموذج الهابرماسي هو مجرّد نموذج مثالي طوباويّ. (رشيد العلوي, 2014)

نقد فريزر لا يتوقّف عند هذه الحدود الابستيميّة بل يتجاوزها إلى ما يمكن أن نسمّيه ب"المجال العامّي الهامشيّ" في مقابل المجال الرسميّ. إذ تعتبر أنّ ثورة 1968 في فرنسا اثبتت وجود فاعلين جدد هم الفاعلون الاجتماعيون المتمثلين في الطلبة والشباب وهم فاعلون جدد استطاعوا فرض توازنات سياسيّة في المشهد عبر خلقهم لفضاءات للنقاش السياسيّ والديمقراطيّ مكنتّهم من إعادة طرح الأسئلة المتعلقة بالشرعية السياسية والانتخابية وبمحاسبة الحكومة بل التسبب في الكثير من الحالات إلى إسقاط حكومات وتغيير أنظمة.

وهو مثال لا ينحصر عند ثورة 1968 بل يتجسّد أيضا في الحراك الاجتماعي الذي حصل في بعض الأقطار العربية في 2011 ولا يزال متواصلا إلى حين كتابة هذه الأسطر , وقد لعب فيه الفاعلون الاجتماعيون من طلبة وشباب أصحاب تطلعات سياسيّة وثقافية واقتصادية متقدّمة عمّا هو موجود, الدور الأبرز في خلق فضاءات موازية للفضاء الرسميّ , وقد تجلّت هذه الفضاءات في ميادين الاحتشاد والتظاهر ( ميدان التحرير في مصر , القصبة في تونس , ميدان التحرير في صنعاء..) إضافة إلى فضاءات التواصل الاجتماعي التي مكنت الشباب من التواصل الحرّ بعيدا عن الفضاء الرسميّ.

يلاحظ عالم الاجتماعي الأمريكي Craig Calhoun أنّ غياب دور الحركات الاجتماعيّة في التصور الذي يقدّمه هابرماس يعكس عدم اهتمامه بفكرة الفاعلين , وبصراعاتهم التي تشكّل الفضاء العام وتعيد تشكليه باستمرار عن طريق حريكيتها الدائمة.

وهي الفكرة التي يلتقطها الباحث التونسيّ عز الدين عبد المولى في كتابه "العرب والديمقراطية والفضاء العام في عصر الشاشات المتعددة" عبر الإشارة إلى أنّ إهمية إدراج الحركات الاجتماعية في النقاش حول نظرية الفضاء العام والتغيير الديمقراطي من الحقائق الجديدة التي فرضها التنظيم الاجتماعي والسياسي في المجتمعات المعاصرة , فالقوة الحقيقية التي بإمكانها إحداث التغيير انتقلت من الحركة العمالية التقليدية والأحزاب السياسية إلى الحركات الاجتماعية الجديدة التي يشكلها بدرجة أولى الشباب والطلبة والمرأة.(عز الدين, عبد المولى, 2005, ص 94). 

المرأة التي وفي خضمّ تأصيل هابرماس لمجال عمومي برجوازيّ تأريخي تجاهل استحضار حقيقة إقصاء المرأة من الفضاء العموميّ البريطاني والألماني المتسّم بالأبويّة والذكوريّة, باستثناء الفضاءات العامة الفرنسيّة التي كانت تشارك فيها المرأة وتسجّل حضورها بقوّة في النقاشات التي كانت تدار في المقاهي والصالونات بل إنّ المرأة الباريسية كانت تملك أكثرها في تلك الحقبة التاريخية.

وهو المفصل المعرفيّ الذي استفادت فريزر من أدبيات جون لاندزJean Landes وماري ريان Mary Ryan وريتا فلسكي Rita Felski حول إنشاء الحركة النسويّة لمجال عامّ نسائيّ مضادّ للمجال الأبويّ الذكوريّ مثيرة مسألة "النوع –الجندرة" عبر طرحها من بعض الحركات النسائيّة في العالم إبان القرنين التاسع عشر والعشرين.

في هذا السياق تشير الكاتبة البريطانية والمهتمة بقضايا الحركات النسوية وقضايا الديمقراطية في العالم , ريتا فلسكي إلى "أنّ الحركة النسويّة الجديدة أضافت بعدا مهما إلى الخطاب العام وتركت فيه بصمة نسوية واضحة من خلال إثارة قضايا ومشاغل كانت مدفونة خلف خصوصيّة الجنس الواحد وطرحها للنقاش باعتبارها مسائل حيويّة تهمّ الرأي العامّ".(عز الدين عبد المولى, 2005, 92).

 غير أنّ المسألة النقديّة الاهمّ تماشيا مع موضوع بحثنا التي أثارتها فريزر , فهي مسألة الأقليات الاثنية واللغويّة والتي اصلت لنفسها مجالا عاما موازيا ومنافسا للمجال الرسميّ عبر نظمت نفسها وادارت نقاشات مهمّة حول الهويّة والآخر والمجتمع والدولة والمواطنة والديمقراطية وغيرها من قضايا الشأن العامّ.

تفصّل فريزر قضيّة الأقليّات في المجال العموميّ كقضيّة راهنة ومستجدّة نتيجة لسياسات بناء الأمّة للدولة الأمّة , وهي سياسات لغويّة وثقافية وتعليمية وإعلامية فرضت على الكثير من الأقليات الاثنية بناء مجالها العامّ الخاص بها للنقاش حول قضاياها وللتداول حول مسائل الشأن العامّ.

وتضرب في هذا السياق مثال "السود" في أمريكا إبّان النظام العنصريّ , كأقليّة اثنيّة اصلت لنفسها فضاء عموميا مناقضا للفضاء الرسميّ عبر نضالاتهم وتحركاتهم ضدّ السلطة مستدلّة على هذا الإقرار بأعمال الباحثة الأمريكية Elizabeth Brooks-Higginbothamالتي اثبتت وجود فضاء عموميّ بديل مسيّر من طرف السود في الولايات المتحدة ما بين 1880 و1920. (رشيد العلوي, 2014). 

وبالتوازي مع المجال العمومي الأقلياتيّ , تنصبّ المقاربات النقدية لفريزر أيضا حول سعي محموم ل"دمقرطة" المجال العموميّ الهابرماسي , معتبرة إياه "إقصائيّا" من زاوية اشتراط الأخير على القائمين بالتواصل إتقان استعمال العقل بشكل نقديّ وهو ما صيّره مجالا نخبويّا مثقفا مغلقا أكثر منه مجالا عموميّا مفتوحا وهو ما يعّبر عنه السوسيولوجي الفرنسيّ Pierre Bourdieu في نقده الحادّ لكلّ من أوستين وهابرماس , ب"الرأسمال اللّساني" الذي لابدّ أن يتوفّر لدى المشاركين في الحقل الخطابي والمتمثّل في ممارسة النقاش العقلاني النقديّ ... ممّا يفضي إلى استثناء من لا يمتلكون الكفاءة الخطابية من الفضاءات الاجتماعية التي تتطلب هذه الكفاية".( بورديو, بيير, 2007, 58-59).

وبعد توجيه تقريع شديد لهابرماس على خلفيّة عدم صياغة مجال بديل للمجال العمومي الليبرالي واقتصاره على الصيغة البورجوازيّة منه , قدّمت فريزر بديلها للمجال العمومي .

ففي بحثها عن العدالة الاجتماعيّة , تعرّف المجال العمومي ما بعد البورجوازيّ على "أنّه فضاء المجتمعات الحديثة حيث تمرّ المشاركة السياسية عبر اللغة , إنّه فضاء المواطنين الذين يناضلون من أجل مصالحهم المشتركة فضاء يمأسس تفاعلا تداوليّا... إنّه مكان منفصل عن الدولة وفضاء لإنتاج ونشر الخطاب النقديّ تجاه الدولة , ولا بدّ أن يتصوّر له اقتصاد غير رسميّ وخال من علاقات السوق إنه فضاء لعلاقات التخاطب الذي يسمح بالنقاش والتداول. Frazer, N, 2011, 111))

تمثّل المقاربات النقديّة الثلاث مدوّنة علمية وعدّة بحثيّة إجرائيّة سيوظّفها يورغان هابرماس للتصحيح والمراجعة العميقة لنموذجه الفكري في مقالة علمية له بعنوان "مراجعات إضافيّة بشان الفضاء العامّ" ستناولها بالتحليل والدرس في المبحث التالي.

التفكير مع هابرماس ما بعد "البورجوازيّ"

منذ بداية التسعينات انخرط هابرماس في مراجعة نقدية عميقة لنموذج المجال العمومي البرجوازيّ مؤصلا عوضا عنه براديغم جديد مستفيدا من المدونة الاستدراكيّة التي اشتغلت حول المجال العمومي البرجوازي طيلة نحو 30 سنة , أي منذ صدور كتابه البكر في 1962 إلى صدور أوّل مقالة بحثيّة تصحيحيّة في 1992 بعنوان "مراجعات إضافيّة حول الفضاء العموميّ". (Habermas, y,1992, p421)

وهي المقالة البحثيّة التي وضع فيها هابرماس أهمّ أفكاره الجديدة حول المجال العموميّ قبل أن يتلوها بمؤلفه الثاني والمعنون "بين الحقائق والمعايير".

وفي قراءة استيعابيّة لأدبيات المراجعة الهابرماسيّةلبراديغم "المجال العمومي البورجوازيّ" يلاحظ الباحث تفرّع التأصيل الجديد للمجال العموميّ على 4 محددات "معرفية إجرائيّة" كبرى.

ذلك أنّه منذ الصفحات الأولى لمقالته الاستدراكيّة يتخلّص الفيلسوف الألماني من تلازميّة البورجوازي مع "المجال العموميّ" مستغنيا عن التحقيب المعياري المكاني ( أي أوروبا الغربية ) والزماني ( اي القرنين السابع عشر والثامن عشر) للبراديغم التفسيري مقرّا – والكلام هنا لهابرماس– " أنّه من الخطإ الحديث عن فضاء عامّ وحيد"  (Habermas, y, 1992 ,p425)في السياقات الزمكانيّة المختلفة , إضافة إلى أنّه من غير المطابق للرصانة العلميّة أن يؤكد الفيلسوف الألماني تفكّك المجال العموميّ في أوروبا في القرن التاسع عشر وانهيار المبدإ الديمقراطي الذي تأسّس عليه على وقع تحوّل الفضاء العامّ إلى سوق تجاري وإعلامي يوظفّه أصحاب المصالح السياسية والتجارية لصالحهم مع الإشارة في المقابل إلى ضرورة سحب نموذج المجال العمومي البورجوازي على سياقات سياسية إمّا "ما بعد بورجوازيّة" أو سياقات سياسية لم تعرف ذات التطوّر البنيوي الاجتماعي في أوروبا, وهي إشكاليّات مرّ عليها هابرماس دون أن يقدّم البديل أو أن يفتح الآفاق نحو براديغمات أخرى قادرة على إنقاذ التواصلية العقلانية والحوارات الحجاجيّة كوسيلة لخلق التوافق العامّ , مايؤكد أنّ القراءة النقديّة لهابرماس انصبت في شقّ منها على تجاوز "المعياريّة النموذجيّة" من خلال تجاوز النموذج البورجوازي من زاوتين على الأقلّ , الزاوية التاريخية "المثاليّة" ومن الزاوية "الشرطيّة والأداتيّة" للبورجوازية في التغيير السياسيّ والانتقال الديمقراطيّ

فقد تجاوز هابرماس البورجوازية كشرط للانتقال الديمقراطي في المجتمعات الأوروبية , وهو شرط يكرّس المقولة اليساريّة ( الاشتراكية على الأقل مع كارل ماركس في كتابه راس المال ومن بعده إينقلز ) في الأطوار الطبقيّة وعلاقتها بالأدوار الاجتماعيّة ,  متبيّنا مقولة "الديمقراطية التداوليّة" أو التشاركيّة بمعناها المفتوح على كافة أفراد المجتمع

القائمة على مقولة "البنية التواصليّة" والتي بالإمكان تفكيكها إلى ثلاثة مكوّنات اساسيّة وهي :

  • تعريف المجتمع كمجتمع لا مركزيّ يمارس فيه "المواطنون الأفراد" أدوارهم باعتبارهم متغيّرا اساسيّا ومكوّنا من مكوّنات القوة الاجتماعية والسياسية ومساراتها المختلفة.
  • دور بارز للشبكات التواصلية للفضاءات العامة الرافعة اساس تكوين فهم مشترك من خلال دينامية عالية المستوى في العلاقات التواصليّة، ما يشير إلى توظيف هابرماس للمفهوم الشبكيّ في الفضاءات العامّة وبالتالي تجاوز المرحلة البكر من نظريته القائمة على دور الجرائد في صناعة فضاءات عامّة.
  • الاستناد إلى البعد التواصليّ للغة التي يصفها بالوسيلة الأساسيّة القادة على نقد أنظمة الهيمنة على الصعيد الاجتماعي والسياسي والثقافي وتمكن قوّة الفعل التواصلي في القدرة الهائلة لدى الأفراد على فهم كلام بعضهم البعض وعلى التسليم بقوّة "الحجاج العقلاني" الموصل إلى التوافق العام وبالتالي إلى الرأي العامّ.
  • التصحيح الهابرماسي للبراديغم البكر امتدّ إلى "وظيفيّة" المجال العموميّ , فإضافة إلى تداول قضايا الشأن العامّ والتطرّق إلى المسائل ذات الاهتمام المشترك والتي تبقى مدار عمل المجال العمومي , فإنّ هابرماس وسّع من دوره بحيث بات شبيها بالسلطة الضاغطة أو بقوّة التأثير على السلطة التنفيذية والتشريعية من حيث تسليط الضوء على القضايا العامة بصورة مكثفّة ومعمّقة ودراستها من كافة الجوانب وإرفاقها بالحلول الممكنة وتقديمها بشكل "استعجالي" و"دراميّ" للفاعل الرسميّ.

أمّا النقطة الأخيرة من التأصيل التصحيحي فتتطرّق إلى "سياقات إنتاج" المجال العموميّ , ذلك أنّ الكينونة الراهنة والوظيفة المستحدثة تتطلبّ وجود مجتمع مدنيّ قويّ قادر على توظيف شبكة جمعياته لخلق توافق في قضية معينة وصناعة رأي عامّ تفضي في الأخير إلى التغيير الجزئي أو الكليّ وهو ما عبّر عنه هابرماس بالقول إنّ قوة التأثير التواصلية تتحوّل عبر عملية التشريع إلى قوّة إدارية وتنفيذية (Habermas, 1996, p299).

من الواضح إذن أنّ نقد هابرماس لهابرماس تمحور حول رباعيّة "المعياريّة" و"الشرطيّة" و"الوظيفيّة" و"السياقيّة الإنتاجيّة" , فلئن كانت القراءة الأولى للمجال العمومي قراءة معيارية نموذجيّة مثاليّة قد تصل في بعض الحالات إلى الطوباويّة فإنّ القراءة النقديّة الثانية سعت إلى تبيئة المجال العمومي في السياقات الراهنة – لأوّل مرّة يستخدم هابرماس مصطلح الشبكيّة التواصلية كان في 1992 , في مقابل أنّها الكتابات الأخيرة التي قرن فيها المجال العمومي ب"البورجوازيّ- مع إفراده برهانات التغيير الديمقراطي عبر توسيع مجال الفعل التواصلي وبالتالي مزيد إقرار الديمقراطية التشاركية والتداوليّة.

لم يقطع هابرماس بشكل جذري مع نموذجه الأوّل، فلا يزال التوسّط الرمزي حاكما لمقولة الفضاء العموميّ ولا تزال المحاججة العقلانية والعقلانية التواصليّة ضابطة للبنية الأركيولوجية للمجال العموميّ، كما حافظ الفيلسوف الألمانيّ على الربط التلازمي بين الكينونة النقاشيّة للبراديغم والانتقال الديمقراطي، بشكل لا يتعارض مع مقتضيات التبيئة باعتباره نموذجا تفسيريا يروم الانسحاب على أكثر من حالة وسياق.

غير أنّ القيمة الأبرز – وفق تقدير الباحث- للمنجز الفكري الهابرماسي الجديد متمثّل في تحويل جوهر مقولة الفضاء العموميّ من المعيار إلى الأدوار , فعوضا عن إسقاط البراديغم البورجوازي على مجتمعات وسياقات تعيش إمّا مابعد المشهد البورجوازي ( على الشاكلة الأوروبية ) أو ما قبله ( على شاكلة بعض الدول العربية ) أو بالتناقض معه ( الدولة الريعيّة ) , يكون البحث متوجّها إلى الأدوار الاجتماعية والسياسيّة المنوطة بالفاعلين الإعلاميين والمدنيين صلب الفضاء العموميّ. 

بإمكان جدول إثبات التباينات والتقاطعات بين نماذج المجال العموميّ من هابرماس 1962 إلى 1992 أن يبسط لنا أبرز التطوّرات النظرية والإجرائية التي شهدها البراديغم.

*جدول رقم 1 :

التباينات بين  نماذج المجالات العموميّة

 

الخاتمة

تمكّن هابرماس من خلال مراجعاته العميقة من تبيئة البراديغم وفق الراهن الفكري والتقني والمدني متجاوزا الأبعاد المعيارية والمثالية للقراءة الأولى.

ولئن أصّل هابرماس براديغم "المجال العمومي" على أخلاقيات النقاش الحجاجي في تكوين رأي عامّ عقلاني ومسؤول نسبيا, فإنّ مجمل الانتقادات العلمية التي وجهت لأطروحة هابرماس البكر, تعامل معها الأخير من زاوية النقاش التداولي التعددي أي من زاوية إيتيقا الحوار الأمر الذي أفضى في المحصلة إلى تراكميّة معرفية ساهمت في بلورة البراديغم الجديد للمجال العمومي أو ما أطلقنا عليه في دراستنا "المجال العمومي مابعد البورجوازيّ"

المراجع

نور الدين,أفاية (2014),الفلسفة السياسية والتواصل عند هابرماس, موقع مؤمنون بلاحدود للدراسات والأبحاث, الرابط: http://www.mominoun.com/articles/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D9%87%D8%A7%D8%A8%D8%B1%D9%85%D8%A7%D8%B3-751

إيمانويل كانط, 2015, رسالة ماهو التنوير؟, موقع "الإحيائيّة الجديدة" ترجمة حسين إسماعيل,الرابط : https://neorevivalism.com/2015/04/15/whatisenlightement/

هو فيلسوف ألماني من القرن الثامن عشر (1724 - 1804). كان من آخر الفلاسفة المؤثرين في الثقافة الأوروبية الحديثة. وأحد أهمّ الفلاسفة الذين كتبوا في نظرية المعرفة الكلاسيكية وآخر فلاسفة عصر التنوير الذي بدأ بالمفكرين البريطانيين جون لوك وجورج بيركلي وديفيد هيوم طرح كانط منظورا جديدا في الفلسفة أثر ولا زال يؤثر في الفلسفة الأوروبية حتى الآن أي أنّ تأثيره امتد منذ القرن الثامن عشر حتى القرن الواحد والعشرين. نشر أعمالا هامة وأساسية عن نظرية المعرفة وأعمالا أخرى متعلقة بالدين وأخرى عن القانون والتاريخ.

حيسون, مولاي, 2010 ,الفضاء العمومي عند يورغان هابرماس, موقع أنفاس نت من أجل الثقافة والإنسان, الرابط :

http://anfasse.org/2010-12-30-16-04-13/2010-12-05-17-29-12/6284-

جورج هربرت ميد George H. Mead (1863-1931): استطاع جورج ميد في محاضراته التي كان يُلقيها في جامعة شيكاغو، على طولِ الفترة من (1894-1931) أن يُبلور على نَحوٍ متقن، الأفكار الأساسية لهذه النظرية. وقد جَمعَ له تلاميذُه كتاباً بعد وفاته، يحتوي على معظم أفكاره التي كانوا يدوّنوها في محاضراته، تحتَ عنوان (Mind, Self and Society, 1934)..

كمال عويسي، 2008 – 2009 دراسة في النظريات التربوية المعاصرة، معهد العلوم الإنسانية المركز الجامعي بغرداية, الجزائر, ص 5.

مصدّق, حسن, 2005, يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت , النظرية النقدية التواصليّة , المركز الثقافي العربي , الدار البيضاء , الطبعة الأولى , 2005 , ص 133

علّوش, نور الدين, 2013, نظرية الفعل التواصلي عند هابرماس: قراءة في المنطلقات والأبعاد, بحث بموقع "مؤمنون بلاحدود" الرابط:

http://www.mominoun.com/articles/

مهيبل, عمر, 2006, مقدمة ترجمة كتاب فلسفة التواصل لجون ماراك فيري, ص 17 , منشورات الاختلاف ,الجزائر

الحمامي , صادق , الميديا الجديدة والمجال العمومي الإحياء والانبعاث , مجلة الإذاعات العربية, العدد3 , سنة 2011 , تونس , ص16

الزرن , جمال , الإتصال : من التاريخ الاجتماعي إلى مجتمع ما بعد الحداثة موجز عن "تاريخ نظريات الاتصال" : لأرمان وميشال ماتلار , http://jamelzran.arabblogs.com/archive/2007/6/245743.html

فريزر,نانسي, 2015, إعادة التفكير في المجال العامّ مساهمة في نقد الديمقراطية القائمة بالفعل, ترجمة محمّد كمال, أوراق نماء 88, مركز نماء للبحوث والدراسات.

العلوي, رشيد, 2014, الفضاء العمومي من هابرماس إلى نانسي فريزر, شبكة مؤمنون بلا حدود, عنوان الرابط :

http://mominoun.com/pdf1/2014-11/545e02a2d35592087784350.pdf.

عبد المولى, عز الدين, 2005, العرب والديمقراطية في عصر الشاشات المتعددة بحث عن دور الجزيرة , مركز الجزيرة للدراسات , الطبعة الأولى الدوحة , , ص 94.

بورديو, بيير, 2007, الرمز والسلطة , ترجمة عبد السلام بن عبد العالي , دار توبقال للنشر , الدار البيضاء, الطبعة الثالثة, ص 58 – 59.

References

Yurgen, Habermas, Espace Public : Archéologie de la Publicité Comme Dimension Constitutive de la Société Bourgeoise, Traduit de l'allemand par Marc B. de Launay, Edition Payot, Paris, 1990

Quéré .louis. L'espace public : de la théorie politique à la métathéorie sociologique. In: Quaderni. N. 18, Automne 1992. p. 80

Jean –Marc Ferry ,1989.Les transformations de la publicité politique . in Hermès . N°4 .numéro spéciale à l’espace public .

Nancy Fraser, 2011, qu’est-ce que la justice sociale ? Reconnaissance et redistribution, Paris, la Découverte /Poche .p 111.

Habermas .Yurgen .1992 « furtherReflections on the public sphere » Edited by  Craig Calhoun .Habermas and the public Sphere . The MIT Press Cambridge London .p 421 – 461 .

https://is.muni.cz/el/1423/jaro2011/ZUR286/um/22759680/habermasOcalhoun_craig_ed_-_habermas_and_the_public_sphere.pdf

Habermas .Yurgen . « BetweenFacts and Norms » . Contributions to a discoursetheory of law and democracy. Translated by William Rehg . The MIT Press .Cambridge .Massachusetts . 1996.

http://blogs.unpad.ac.id/teddykw/files/2012/07/J%C3%BCrgen-Habermas-Betw...


د. أمين بن مسعود   معهد الصحافة وعلوم الإخبار. جامعة منوبة تونس

ملخص | مراجع   | تحميل PDF   

31-01-2018

" data-share-imageurl="">