صعود المجال العام/ كبت الكراهية

صعود المجال العام/ كبت الكراهية

د. نادر كاظم

قسم العلوم الاجتماعية- جامعة البحرين

 

Abstract
This study examines the role of the public sphere, as well as the state and its laws, in restricting hate speech. This study reads the history of hate speech as a shift from a speech devoid of any restrictions, laws or morals that govern it to a speech restricted by the laws of states and the power and morals of the public sphere that no longer tolerate hate speech targeting religious or ethnic groups. The study reviews many incidents of hate in the world, ending with the conclusion that hatred has become a costly speech, and that people no longer tolerate hatred that targets them; unlike in history before the emergence of the state and the rise of the public sphere.

ملخص

تتناول هذه الدراسة دور المجال العام، وكذلك الدولة وقوانينها، في تقييد خطاب الكراهية في العصر الحديث. تقرأ هذه الدراسة تاريخ خطاب الكراهية على أنه تحول من الخطاب المنفلت من أي قيود أو قوانين أو أخلاق تحكمه، إلى خطاب مقيّد بقوانين الدول وقوة المجال العام وأخلاقياتها التي لم تعد تتسامح مع خطابات الكراهية التي تستهدف الجماعات على أساس انتمائها الديني أو الإثني أو الجندري أو الوطني أو غيرها. وتستعرض الدراسة الكثير من حوادث الكراهية التي وقعت في مناطق مختلفة من العالم، لتنتهي إلى خلاصة مؤداها أن الكراهية أصبحت خطابا باهظ التكاليف والتبعات، وأن الناس لم تعد تتسامح مع كراهية تستهدفها؛ وذلك على خلاف ما كان عليها الحال في التاريخ قبل ظهور الدولة وصعود المجال العام.

الكلمات المفتاحية

المجال العام، خطاب الكراهية، كبت الكراهية، الكراهيات المنفلتة، تكنولوجيا الاتصال

1. المجال العام: الانضباطات والأخلاقيات وتقييد الخطاب

لماذا لا يستطيع الواحد منا التعبير بكل جرأة، وحتى بكل وقاحة، عن كراهيته العنصرية والدينية تجاه الآخرين بشكل علني، في حين تمكن القدماء من تبادل خطابات الكراهية على جرأتها كما يتجلى ذلك في حجم كتب الكراهية في التراث؟

لِنلتمس الجواب لدى ميشيل فوكو.

فنحن نعرف من هذا الأخير أن شبكة "الانضباطات" صارت أوضح وأشدّ صرامة ومنتشرة في كل مكان في العصر الحديث حيث عرفت البشرية "الكثير من الأساليب الانضباطية منذ زمن بعيد – في الأديرة، وفي الجيوش، وفي المشاغل أيضاً. ولكن الانضباطات أصبحت خلال القرن السابع عشر والثامن عشر صيغاً عامةً للسيطرة" (فوكو، 1990، ص 159) والتحكم والإخضاع للجسد البشري. وما بدأ بالجسد تعداه إلى كل ما يمتّ إليه بصلة إلى وظائفه وقواه وعملياته وتصرفاته وخطاباته. لم يعد الجسد حراً، بل خضع لتحكم دقيق ومراقبة صارمة، وكذلك لم يعد الخطاب حراً، بل جرى إخضاعه لشبكة "الانضباطات" الموسّعة، وصار، كما الجسد، طيّعاً وأنيقاً ومتوازناً وليّناً ولطيفاً وناعماً. ولم تكن الدولة وأجهزتها هي المصدر الوحيد لهذه الانضباطات، بل ثمة طارئ جديد هو المجال العام الذي تحصّل على سلطة لا تضاهي سلطة الدولة، إلا أنها سلطة لا يستهان بها، وبفضل هذه السلطة المكتسبة حديثاً صار المجال العام قادراً على تعميم أعرافه وضوابطه وقواعده الخاصة بإنتاج الخطاب وتوزيعه واستهلاكه. ولا ينبغي أن نتصور أن هذه الشبكة الموسّعة من الانضباطات التي فرضتها الدولة والمجال العام سوف تكتفي بالاشتغال على جسد الإنسان فتجعله "طيعاً" وناعماً وضعيفاً وخائر القوى فحسب، بل إن عملها سوف يتعدى الجسد إلى روح الإنسان وخطابه وتعبيراته بحيث يصبح كل شيء طيعاً وناعماً وخائر القوى بما في ذلك نفسياتنا وخطاباتنا التي نزعت نحو التحفظ منذ القرن السابع عشر حتى اليوم.

بالنسبة إلى فوكو فإن شيئاً من الصراحة كان لا يزال رائجاً حتى بداية القرن السابع عشر فيما يتعلق بالخطاب حول الجنس وممارساته، فـ"الممارسات لم تكن تبحث عن السرية، والكلمات كانت تقال دون تكتّم مفرط، ويُفصح عن الأشياء دون إفراط في الإخفاء" (فوكو، 1990، ص 27). وبدأ التحول - وكان نيتشه يسميه انحطاطاً – مع "البورجوازية الفيكتورية" خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهما القرنان اللذان شهدا تحوّل "الانضباطات" إلى صيغ عامة للسيطرة والإخضاع، كما شهدا "تحوّلاً بنيوياً" من نوع آخر. وقد عبّر هذا "التحوّل البنيوي" عن نفسه في تشكّل فضاء مؤسساتي ومكاني وخطابي جديد في المجتمع البرجوازي الأوروبي. وقد أطلق يورغن هابرماس على هذا الفضاء الجديد اسم "المجال العام" public sphere. فلم يكن من باب المصادفة، كما يقول هابرماس، أن "مفاهيم "المجال العام" و"الرأي العام" قد ظهرت لأول مرة في القرن الثامن عشر، وقد اكتسبت معناها الخاص من هذه الوضعية التاريخية المحددة" (Habermas, 2001, p. 123)).

لم يكن هذا "التحوّل البنيوي" ليخفى على أهم ناقدين للمجتمع البورجوازي في القرن التاسع عشر، وهما كارل ماركس وفردريك إنجلز، وذلك حين قاما بصياغة "البيان الشيوعي" في العام 1848م. فقد لاحظ الاثنان أن البورجوازية "لعبت، في التاريخ، دوراً ثورياً بارزاً كل البروز"، وهي لم تقلب شروط الإنتاج التقليدية رأساً على عقب فحسب، بل إنها "حين ظفرت بالسلطة" قامت بتدمير "كل العلاقات الإقطاعية، والبطريركية، والرومانسية الرعوية، ومزّقت بلا رحمة الروابط الإقطاعية من كل لون" (ماركس، أنجلز، 2008، ص. 58)، وانتزعت سلطة الدولة الحديثة وحوّلتها إلى "هيئة تدير المصالح المشتركة للطبقة البورجوازية بأسرها". إلا أن ما غفل عنه ماركس وإنجلز هو أن هذه "المصالح" لم تكن "مشتركة" وموحدة في العصر البورجوازي، وهي لن تكون كذلك حتى في العصر البروليتاري حين تنتصر طبقة العمال العصريين وتنتزع السلطة من أيدي البورجوازيين، بل هي، في الأساس، مصالح متنوعة ومتعارضة ومتضاربة، وبحاجة إلى مساحة عمومية تتجلى فيها وتُدير تنوعها داخلها بحكمة وبصورة سلمية. وهذه المساحة، على خلاف تحليل ماركس وإنجلز، ليست هي الدولة، لأن هذه الأخيرة ستبقى، ولزمن طويل، كما فهمها هذان الأخيران، مجالاً لممارسة "العنف المنظم لطبقة في سبيل قمع طبقة أخرى" (ماركس، أنجلز، 2008، ص. 95)، أو لجماعة في سبيل قمع جماعة أخرى. ينبغي، إذن، أن نبحث عن هذه المساحة في مكان آخر. هذا المكان هو "المجال العام".

إن التحوّل البنيوي والثوري الذي ربطه "البيان الشيوعي" بالتحويل البورجوازي لنمط الإنتاج وللسلطة السياسية، يربطه يورغن هابرماس بالمجال العام الذي يتسع للجميع، وبـ"الجدل أو النقاش النقدي العقلاني"  (Craig, 1992, p.2) الذي تزامن صعوده مع صعود هذا المجال العام ومأسسته "لا بوصفه مجموعة من المصالح، ولا بوصفه تعارضاً بين الدولة والمجتمع، بل بوصفه ممارسة للخطاب النقدي – العقلاني في الشؤون السياسية"(Craig, 1992, p.9) والعامة التي تهم جميع المواطنين على اختلاف انتماءاتهم وطبقاتهم من بورجوازيين وبروليتاريين وغيرهم.

وما يسميه هابرماس "النقاش العقلاني" كان إيمانويل كانط، في القرن الثامن عشر، يسميه "الاستخدام العمومي للعقل". ولقد سبق لكانط أن عرّف التنوير بأنه "الاستخدام العمومي [والحرّ] للعقل في جميع الميادين" (كانط، 2001، ص. 288). ويستخدم كانط تعبير "الاستخدام العمومي للعقل" للإشارة إلى ما "نقوم به كعارفين أمام الجمهور الذي يقرأ"، في حين يتمثّل الاستخدام الخاص للعقل فيما نقوم به ونحن نؤدي وظيفة (عمل) معينة أو ضمن تجمع عائلي محدود. ويتطلب الاستخدام العمومي للعقل، بحسب كانط، شروطاً معينة، منها الحرية ووجود الكتب والجمهور الذي يقرأ. وهذا يتطلب وجود مجال عام يسمح بكل ذلك. وهو ما لم يكن موجوداً في مجتمع العصور الوسطى والمجتمع الإقطاعي. ففي ظل الحكم المطلق الذي كانت تتمتع به الملكيات والكنيسة والإقطاعيات ما كان أحد يستطيع أن يجري نقاشاً حراً ونقدياً وعقلانياً في الشؤون العامة. فقد كان النقاش الحر والنقدي جزءاً من "المستحيل التفكير فيه" آنذاك، لا لأنه غير مسموح به فحسب، بل لأنه لم يكن ثمة "مجال عام" واضح ومحسوس يمكن أن يجتمع فيه الناس بصفتهم العمومية ويتناقشوا فيما بينهم في شؤونهم العامة. ففي هذه الفترة "لم يكن لمزارعي الإقطاعيات أي تحكم مطلق على أي جزء من حياتهم حتى حين يذهبون إلى غرفهم ويغلقون عليهم أبوابهم". ولهذا كان علينا أن ننتظر القرن الثامن عشر لتتضح الحدود بين المجال الخاص والمجال العام، و"هذا لم يوجد إلا بعد القرن السابع عشر، وقبل هذا كانت كل المقاطعات في البلد تعود ملكيتها المطلقة للملك" (McKee, 2005, p.34). وخلال القرن الثامن عشر كانت السلطات الإقطاعية الكبرى (الملوك، الكنيسة، الأمراء، النبلاء) آخذة في التزعزع والتدهور، ولم ينقضِ القرن الثامن عشر حتى "تحطمت وتجزّأت إلى عناصر خاصة من جهة، وعناصر عامة من جهة أخرى. فموقع الكنيسة قد تغيّر مع حركة الإصلاح الديني، ورابط السلطة الإلهية التي تمثّلها الكنيسة وهو الدين، أصبح شاناً خاصاً. وما سمي "الحرية الدينية" جاء ليؤكد ما كان، تاريخياً، المساحة الأولى التي تتمتع بالاستقلال الذاتي. الكنيسة ذاتها استمر وجودها بوصفها كياناً قانونياً وعاماً بين الآخرين" (The Public Sphere, 1964, p. 103) ، وهذا يعني أنها أصبحت جزءاً من المجال العام. التحوّلات ذاتها طالت سلطة الأمراء فقوّضتها نهائياً أو اكتفت بمنحها وجوداً رمزياً، أما النبلاء فقد أصبحوا جزءاً من السلطة العامة والبرلمانات والمؤسسات القانونية. وفي أعقاب هذه التحولات البنيوية تشكّلت مساحة عمومية في حياتنا الاجتماعية، وهي مساحة مفتوحة للجميع (أو هكذا ينبغي أن تكون)، ومفتوحة على النقاشات الحرة والنقدية والعقلانية في الشؤون العامة، وداخل هذه المساحة العمومية المفتوحة بدأ يتخلّق "الرأي العام" و"الشؤون العامة". هذه المساحة، بحسب هابرماس، هي المجال العام.

ويتحدد المجال العام هنا من خلال التحديد الواضح لمجال الدولة أولاً، ثم تحييده ثانياً، وهو ما يسمح ببروز مساحة مفتوحة ينخرط فيها المواطنون من أجل النقاش الحر والتداول المفتوح حول قضاياهم وشؤونهم العامة في المقاهي والصالونات الثقافية ووسائل الإعلام والساحات العامة وغيرها. وهو ما كان كانط يسميه "الاستخدام العمومي للعقل"، وبدل أن نحدّد هذا الاستخدام في الكتب وجمهورها كما فعل كانط، صار المجال مفتوحاً لاستخدام العقل عمومياً من خلال النشر الورقي في الصحف والمجلات، والنشر الإلكتروني على الإنترنت، وأجهزة الإعلام المتنوعة من إذاعات وفضائيات، أو من خلال الملتقيات والمؤتمرات والندوات والمحاضرات وغيرها من أشكال التجمع التي تجري في "أماكن عامة"، وبقصد التداول الحر والمفتوح في قضايا الشأن العام.

يتميّز هذا المجال العام عن الدولة بما هي مجال للسلطة العامة ولممارسة "العنف المنظم"، كما أنه يتميّز عن الفضاء الشخصي المتعلق بحياة الأفراد الخاصة والعائلية، كما أنه يختلف عن المجال الخاص بكل جماعة، فهذا الأخير يقع ضمن الملكية الرمزية لجماعة بعينها. ولهذا فإن تداول النقاش في هذا المجال الأخير إنما يجري ضمن دائرة تواصل مغلقة على أبناء الجماعة نفسها، وهو مؤسس على قناعات يجري تعزيزها باستمرار لا على نقاش نقدي وعقلاني مفتوح للأخذ والردّ في المجال العام. وتكمن خطورة هذا المجال الخصوصي في كونه يعبّئ الأفراد بقناعات نهائية مغلقة، وبلغة قد تكون فاعلة ومؤثرة في التواصل الخصوصي داخل الجماعة، ولكنها عاجزة، بل معطّلة لإنجاز التواصل العمومي مع الآخرين، ويمكن اكتشاف هذا العجز من خلال تلك المفارقات والالتباسات وسوء الفهم والخلافات التي تحدث حين ينتقل النقاش من دائرة المجال الخصوصي المغلق إلى دائرة المجال العمومي المفتوح الذي يتسع للجميع. ثم لا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن كل أشكال التواصل، اليوم، صارت قابلة للتعميم، وأن التواصل الذي ينعقد في فضاء خصوصي مغلق داخل "الجماعة" لن يبقى خصوصياً لزمن طويل؛ لأنه سرعان ما ينتقل إلى المجال العام لتبدأ، عندئذٍ، انعكاساته وتفاعلاتها العمومية في التطور.

يتأسس المجال العام على فكرة مزعجة، إلا أنها ضرورية، وهي أن هناك مصالح متعارضة، وآراء متضاربة، وهناك، كذلك، أكثر من طريقة للتعبير عن هذه المصالح والآراء. وما يحتاجه المجتمع لإقامة فعل التواصل العمومي لا يتمثل في تصفية هذه المصالح والآراء من أجل انتخاب مصلحة واحدة ورأي واحد تتسيّد على الجميع، بل إنه يتمثل في وجود مجال عام يقوم على حرية المناقشة وتبادل الحجج والآراء بطريقة سلمية. وهو ما يسميه كارل بوبر بـ"الجدل الحر" الذي يعتبره "قيمة ليبرالية جوهرية". ولا يتطلب هذا النوع من الجدل والمناقشة والحجاج وجود لغة مشتركة وافتراضات أساسية موحدة، بل "إن كل المطلوب هو استعداد لأن يتعلم المرء من زميله في المناقشة، استعداد يتضمن رغبة حقيقية في فهم ما يرمي إليه زميله. فإذا ما توفّر هذا الاستعداد، فإن ثمار الجدل تكون كأفضل ما تكون إذا اختلفت خلفية المتجادلين أقصى الاختلاف. وعلى هذا فإن قيمة أي جدل تعتمد كثيراً على نوع الرؤى المتنافسة. لو لم يكن هناك برج بابل لكان علينا أن نبتكره" (بوبر، 1999، ص. 193). وما يشخّصه بوبر هنا يتناوله يورغن هابرماس تحت مفهوم "وضعية الكلام النموذجي" أي الوضعية المثالية لفعل التواصل المؤسس على المبادئ الأخلاقية التي ينبغي أن تكون متبعة في المناقشات والجدالات داخل المجال العام. وتقوم هذه المبادئ على ضمان التماثل والمساواة في حقوق النقاش بين الفاعلين بحيث "يكون لكل مشارك فرصة متساوية ليبدأ التواصل وليستمر فيه، وليصوغ تأكيداته، وليعطي تفسيراته، وليتحدى التبريرات الأخرى". كما ينبغي على المشاركين في هذا النقاش أن "يتصرفوا كما لو أن لكل واحد منهم القدرة نفسها على إعطاء الأوامر والوعود، وعلى أن يكونوا مسئولين. ويتعامل المشاركون في وضعية الكلام النموذجي بعيداً عن اختلافات القوة والسلطة، والسلطة الوحيدة المسموح بها هي سلطة المناقشة. ويسلم هابرماس بأن وضعية الكلام النموذجي تعبّر، إلى حد ما، عن افتراضات الفاعلين الأخلاقيين حينما يريدون المشاركة بجدية في النقاش. وتفترض المشاركة الجدية أن يكون الهدف النهائي للتواصل هو الوصول إلى فهم مشترك. والفاعل الذي ينكر هذا يتناقض مع نفسه، ويسمي هابرماس هذا بالتناقض الإجرائي" (Van Es, 1996).

تتطلب أخلاقيات المناقشة وجود مجال عام نموذجي للتواصل، مجال متحرر من القوة وعلاقات الهيمنة ومستلزماتها، ويتطلب، كذلك، وجود فاعلين سياسيين واجتماعيين ليسوا مثاليين بالضرورة إلا أنهم جادون ولديهم الاستعداد لأن ينخرطوا في سياقات مشتركة بقصد التواصل والتعايش والتوصل إلى "فهم مشترك" وتوافق جماعي قدر الإمكان. ومن المؤكد أن هذا نموذج مثالي لفعل التواصل وسياقاته، إلا أن مثاليته لا تعني أنه نموذج عاطل وعديم القيمة والفعل؛ وذلك أننا لا نتحدث، هنا، عن نموذج معياري للتواصل، ولا عن نموذج من الفعل التواصلي تُرهن مثاليته بإرادة البشر وقصديتهم ومزاجهم، بل عن نموذج اكتسب سلطة مهمة، وصار قادراً، بفضل ذلك، على فرض أخلاقياته ومتطلباته وانضباطاته على معظم الفاعلين السياسيين والاجتماعيين المنخرطين في أفعال التواصل ضمن حدوده. ربما لا يصل الفاعلون إلى الإجماع والفهم المشترك ولكن هذا لا يعني أن المجال العام مفتوح لكل أنواع الخطابات المعيقة لإنجاز التواصل والتفاهم. ومن المؤكد أنه لا يسمح بأشكال التواصل التي تهدد كيانه ووجوده كما في الكراهيات والإهانات والسباب والشتائم.

2. تاريخ الكراهية: من خطاب منفلت إلى خطاب باهظ التكاليف

على خلاف الانفعالات المَرَضية الحديثة مثل القلق والاكتئاب، فإن الكراهية تمتاز بأنها عاطفة عريقة في تاريخ البشرية، كما كان التعبير عن هذه الكراهية يمتاز بعراقة مماثلة. فطوال التاريخ كان الناس يكرهون، وكان الدم يغلي في عروقهم وقلوبهم كراهية لشيء أو لشخص أو لجماعة، كما كانوا على استعداد لأن يحرقوا الآخرين بلهيب كراهيتهم البغيضة، بل كانوا على استعداد كامل لأن يدفعوا حياتهم ثمناً لهذه الكراهية. وطوال هذا التاريخ، كذلك، كان ثمة سُبُل ومسالك عديدة تسمح لهؤلاء البشر بتصريف طاقة الكراهية العنيدة التي تعتمل في قلوبهم بلا هدأة أو توقف. وكثيراً ما نجح البشر في تصريف هذه الكراهية عبر العنف المكشوف الذي يستهدف إيلام الآخرين المكروهين وجرح مشاعرهم وإيذاءها في الصميم، أو حتى محوهم من الوجود إذا تطلب الأمر ذلك، وإذا بلغت الكراهية أوج عنفوانها الذي لا رجعة فيه. وفي أحيان أخرى، كان يُكتفى بتصريف هذه الكراهية عبر التعبير عنها وإشهارها والمجاهرة بها علناً، وذلك من خلال توجيه الشتائم والسُّباب والإهانات للمكروهين الذين قد يعاديهم الحظ فيكتب عليهم أن يسمعوا هذا النوع من الخطاب المؤذي بحقهم، وقد يحالفهم الحظ بحيث يتناثر خطاب كراهيتهم في الهواء قبل أن يطرق آذانهم. وفي تاريخ العرب كان لهذا النوع من تصريف الكراهية قوة العلاج، وقد قيل في كلامهم "إن الصدرَ إذا نَفَثَ بَرَأَ"، ومن أمثالهم، كذلك، "لا بدّ للمصدورِ أن يَنْفُثَ".

كل هذا كان في متناول جميع القادرين على الكراهية، وجميع القادرين على المجاهرة بها علناً. ولقد كان هؤلاء يجدون في إشهار كراهيتهم برهان تفوقهم على الآخرين. وربما كانت ممارسة الكراهية، بالنسبة إليهم، مصدر متعة لا مثيل لها. وطوال هذا التاريخ لم يكن يترتب على هذا النوع من إشهار الكراهية أية عقوبة قانونية (هل كان ثمة قانون ينظم ذلك أصلاً؟).

ومع هذا لا ينبغي أن يتبادر إلى ذهننا أن خطاب الكراهية كان هيّناً وبهذه السهولة، أو أنه لم يكن باهظ التكاليف وعظيم التبعات. نعم، قد يُكتفى، أحياناً، بالردّ على الكراهية بكراهية مضادة، كأن يرد على الشتيمة والسبّ والإهانة بشتيمة وسب وإهانة مثلها. وبحسب نقل الجاحظ فإن كشف المعاداة والرد على العداوة بمثلها كانتا من عادات العرب، وقيل "هذه أنفس العرب"، وفي هذا يقول عُروة بن المغيرة:

لا أتقي حَسَك الضغائن بالرُّقى     فعلَ الذليل ولو بقيتُ وحيدا

 لكن أعدّ لها ضـغائن مثلـها         حتى أداوي بالحقود حُقودا

 (رسائل الجاحظ، ج:1، ص358)

ربما كانت هذه "أنفس العرب" وعاداتها، إلا أن علاقات الكراهية لا تتعلق، بالضرورة، بـ"أنفس العرب" أو غيرهم، بل بميزان القوى وعلاقات القوة والهيمنة، فحين يكون المستهدف بالكراهية والضغينة ضعيفاً مغلوباً على أمره، فليس أمامه سوى الاستسلام والاكتواء بخطاب الكراهية وتلقي الضربات الموجعة وانتظار لحظة الانتقام. وهو عاجز عن الرد؛ لأن الرد أكبر من طاقته وقد يكلّفه غالياً، وإذا ما فقد الضعيف صوابه وغلب جنونُه غريزتَه المكلّفة بحفظ حياته، فإنه سيندفع للردّ على تلك الكراهية، إلا أن عليه أن يكون مستعداً لتحمّل تبعات ردّه أو حتى تبعات المجاهرة به ابتداء في حق الأقوياء. وفي مثل هذا الموقف، فإن الكراهية لن يرد عليها بكراهية مضادة، بل بكراهية أعنف منها، كراهية قد تتوّج، بعد انجلاء غبار المواجهة، بلسان المرء المقطوع أو بجثته المعلّقة فوق أسنة الرماح. وكل هذا لم يكن لشيء سوى أنه تجرأ (ولنقل تهوّر) على المجاهرة بكراهية القوي أو حتى على الرد على كراهيته. الحياة واللسان هنا هما الثمن الذي يطلب القوي قبضه كمعادل لكراهيته.

وهذه حالات متكررة في التاريخ، وكثيراً ما كانت تجري إذا كان المستهدف بالكراهية أقوى ويتمتع بسلطان أكبر من صاحب خطاب الكراهية. وبحسب الجاحظ فإن المتأمل في "أخيار الماضين" لا يحصي "عدد من قتله لسانه وكان هلاكه في كلمة بدرت منه" (المرجع نفسه، ص، 170). وقد تنبّه اللغويون العرب القدماء، بسبب هذا التلازم المتكرر في التاريخ بين الكلام والهلاك، إلى أن في الكلام متضمنات ومستلزمات تتجاوز حدود الدلالة والمعنى المباشرين لتحيل على الشدة والجرح والشر وما يستتبع ذلك من هلاك. فالكَلْم، في لسان العرب، هو الجرح، والكليم هو الجريح. وقد أدرك ابن جنّي، وهو أحد علماء العربية الكبار في القرن الرابع الهجري، أن بين الكلام والجروح قاسماً مشتركاً، وهو الشرّ والشدة؛ لأن الكلام هو "سبب لكل شرّ وشدة في أكثر الأمر" (المرجع نفسه، ص، 170). فقد يصح القول بأن الإهانة والسب والشتيمة هي، في نهاية المطاف، مجرد كلام، ولكنه كلام ينطوي على شر وشدة غير محتملين. ولهذا فإذا ما جرى إنتاج خطاب الكراهية الشديد والشرير أو حتى تداوله في سياق الاختلال الكبير في موازين القوة، فإن على الضعيف أن يدفع، مُكرهاً، ثمن كراهيته للقوي بتقديم حياته أو لسانه (رمز القدرة على النطق) قرباناً في مشهد هو أشبه بطقس شعائري للتضحية والفداء والتكفير عن الذنب، إلا أنه، هذه المرة، طقس يقام بهدف الخلاص من الكراهية ومحوها بصورة مطلقة بالموت أو بالخرس، أو ربما بهدف تطهير الضعفاء من إثم كراهية الأقوياء. هذه كراهية باهظة الثمن، بل هي أكبر من أن يعادلها ثمن.

يحدث هذا في حالات الكراهية المتبادلة بين الأفراد، كما يحدث في حالات الكراهية الجماعية، إلا أن حجم العنف والقسوة والدموية سيكون مضاعفاً هذه المرة. وإذا عدنا إلى الجاحظ، مرة أخرى، فسنجد أنه لا يتردد في إرجاع "جميع شرور الدنيا" وجميع الحروب العريقة في التاريخ إلى خطاب مستفز منفلت من عقاله جرى التعبير عنه في صورة "كلمة عارت [أفلتت] فجنت حرباً عَوَاناً، كحرب بكر وتغلب ابني وائل، وعبس وذبيان ابني بغيض، والأوس والخزرج ابني قيلة، والفِجار الأوّل والثاني، وعامة حروب العرب والعجم"، (المرجع نفسه، ص، 170).

ومع كل هذا، فإن خطاب الكراهية المنفلت كان منتعشاً، وكانت الكتب تعجّ به، والخطب تشتعل بلهيبه، وأحاديث الناس اليومية لا تخلو منه. وكان لدى الناس من القوة والجرأة ما يجعلهم قادرين على إنتاجه وتداوله، وقادرين، كذلك، على تحمل تبعاته وعواقبه الخطيرة. فجأة تغيّر كل شيء، وصرنا، بدل الجرأة، نتعامل بحذر مع هذا النوع من الخطاب، وصار إنتاجه وتداوله من الأمور الصعبة وباهظة التكاليف في المجال العام. وعلى الشاكلة ذاتها، أصبح معظمنا لا يمتلك من قوة التحمل ما يجعله متزناً وثابتاً حين يسمع ألفاظاً نابية تحقيرية بحقه أو حين يرى نظرات شَزْرَة تشهر أمامه كراهيتها البغيضة والمؤذية. فجأة تغيّرت نفوسنا، واهتزت جرأتنا وقوة تحملنا، وصرنا – أو معظمنا على أقل تقدير- عاجزين عن التعبير عن كراهيتنا التي تعتمل في قلوبنا، وعاجزين عن تحمل تبعات انطلاقتها باتجاه أهدافها، وأكثر عجزاً حين نكون نحن أهدافها.

تمتعت الكراهيات العريقة في التاريخ البعيد والقريب بجرأة وضخامة لا مثيل لهما اليوم، حتى أصبحت الكراهيات الراهنة تبدو هشّة وهزيلة إذا ما قيست بنظائرها القديمة. وفي الماضي، كان يمكن لمؤلفات ضخمة تفيض حقداً وكراهية بحق جماعة من البشر أن تمرّ دون أدنى معارضة أو احتجاج، وقد ينبري أحد أبناء هذه الجماعة للدفاع أو للردّ على الكراهية بكراهية مضادة، وتنتهي الحكاية عند هذا الدفاع اليتيم والردّ المعزول. أما اليوم فإن جملة واحدة فقط صارت كافية لإثارة الحشود المهتاجة التي ستقيم الدنيا ولا تقعدها إلا بقيام صاحب الجملة المؤذية بسحبها والاعتذار عنها علناً. يمكن التذكير هنا بخطابات الكراهية المؤذية بحق النساء في الثقافات الذكورية، كما يمكن التذكير بخطابات الكراهية بحق السود في الثقافات العنصرية، وهي خطابات كوّنت المادة الأساسية لأرشيف ضخم من المؤلفات والسير والحكايات والأشعار والأمثال والنوادر التي لم تكن لتتحرج، طوال ذلك التاريخ، من الحديث، علناً، عن دونية النساء وضعف عقولهن، وعن حيوانية السود وبهيميتهم وشهوانيتهم المفرطة[1].

تغيّر الحال اليوم، وصارت جملة واحدة كافية لتثير الاحتجاج والغليان إذا ما شُم منها رائحة الكراهية بحق هذه الجماعة أو تلك الفئة وكأن الكراهيات العريقة قد وُضعت على مسار ستفقد، في نهايته، ثقلها وجرأتها. حصل هذا في العام 2010 مع أغنية هيفاء وهبي "بابا فين" والتي تضمنت عبارة "دبدوبى والقرد النوبي" والتي جاءت على لسان طفل يشارك هيفاء وهبي في أداء الأغنية. هذه العبارة كانت كافية لإثارة غضب النوبيين وغليانهم، وفوراً تسارعت التحركات الشعبية والنيابية والحقوقية في مصر، فقرّرت الجمعية المصرية للمحامين النوبيين رفع دعوى ضد هيفاء وهبي وضد كاتب الأغنية بتهمة السبّ والقذف، ودعوى أخرى لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمنع تداول هذه الأغنية، ومنع إذاعتها في جميع القنوات الفضائية والأرضية، متهمين هيفاء وهبي بتعمد الإساءة إلى النوبيين. كما قام وفد من النوبة بصحبة عضو في مجلس الشعب المصري بلقاء رئيس الرقابة على المصنفات لحثّه على اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع هذه الأغنية. وأكثر من هذا، فقد نقلت بعض الأخبار أن ثمة عدداً كبيراً من الأطفال النوبيين تغيّبوا عن المدرسة، بسبب التهكم الذي يلاقونه من زملائهم بسبب عبارة "القرد النوبي". هيفاء وهبي، من جهتها، سارعت إلى الاعتذار من النوبيين وأبدت أسفها لهذه الإساءة التي لم تكن متعمدة، ووعدت بحذف هذه العبارة من الأغنية.

على الجانب الغربي من الأطلسي كان ثمة حادثة شبيهة بهذه. كان جون دونالد إموس كاتباً أمريكياً معروفاً وصاحب مشاريع خيرية لصالح الأطفال المصابين بالسرطان وأمراض الدم الخطيرة، وفضلا عن هذا، فهو مذيع مشهور في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي بلاد عرفت تاريخاً مريراً من العنصرية الكريهة ضد السود، وتكاد تكون الدولة الديموقراطية الوحيدة في العالم التي يؤمّن التعديل الأول للدستور فيها حماية شبه مطلقة لحرية التعبير حتى لو كان تعبيراً عن الكراهية. إلا أن كل هذا لم ينقذ إموس من مواجهة مصيره بسبب تعليق مسيء بحق النساء السوداوات. ففي 4 أبريل 2007 التقى فريقان في مباراة كرة السلة للسيدات، وكان إموس مستغرقاً في التعليق والنقاش التهكمي حول هذه المباراة، وفي هذا النقاش صرّح بتعليقات مسيئة وبأوصاف مؤذية بحق فريق السيدات السوداوات اللاتي كن يمثلن جامعة روتجرز في هذه البطولة. لم يكن يدور في خلد إموس أن هذا التعليق التهكمي سيتسبب بضجة كبيرة لن تنتهي إلا بإيقافه المؤقت عن العمل ووقف برنامجه، ثم بفصله نهائياً من هذا العمل. لقد تسبب هذا التعليق بضجة كبيرة، وفي خطوة تصعيدية أعلنت سبع شركات مهمة (من بينها جنرال موتورز وأمريكان إكسبرس) عن سحب فوري لإعلاناتها من المحطة، وعن وقف مؤقت لهذه الإعلانات عن برنامج إموس، فيما أعلنت شركات أخرى أنها ستعيد النظر في إعلاناتها لدى المحطة وأنها غير متأكدة الآن من تجديد إعلاناتها في برنامج إموس. لم يكن أمام هذا الأخير سوى المسارعة لإصدار بيان يعتذر فيه عن ذلك التعليق، ويصرح بأنه يتفهم غضب الناس من التعليق الذي وصفه هو نفسه بأنه عديم الإحساس ومؤذٍ وغير مناسب وطائش وغبي. في 9 أبريل ظهر إموس على أحد البرامج الإذاعية ليوضح موقفه من كل هذا، فقال: "كانت خطتنا أن نكون هزليين، وأحياناً نذهب بعيداً في هذا الهزل، وهذه المرة ذهبنا بعيداً، إلا أنني تعلمت أنك لا تستطيع أن تكون هزليّاً مع كل الناس؛ لأن بعض الناس لا يستحقون ذلك"[2]. وإذا أردنا أن نعبّر بدقة عما يجري فإن علينا أن نعيد صياغة عبارة إموس الأخيرة لتصبح كالتالي: "تعلمت أنك لا تستطيع، اليوم، أن تكون هزليّاً مع كل الناس؛ لأن هذا النوع من الهزل التحقيري لم يعد محتملاً ولا يمكن أن يمرّ بدون حساب".

وقبل حادثة إموس كانت محطة WABC الإذاعية في نيويورك قد طردت بوب غرانت وهو من "أكثر إذاعييها شعبية في إجراء المقابلات مع ضيوف برنامجه". وكان غرانت "قد أمضى 25 عاماً بكاملها في شتم السود والناطقين بالإسبانية وغيرهم من الأقليات الأخرى بدون حساب (...). طرد غرانت أخيراً لأنه في اليوم الذي سقطت الطائرة التي تقلّ رون براون، وزير تجارة كلينتون، تكهن بأن براون (الذي كان أسود) قد يكون الناجي الوحيد"، وهو لهذا السبب "متشائم". وبتعبير أورسولا أون، فقد كان هذا التكهن الأخرق هو "القشة التي قصمت حتى ظهر محطة دبليو. أي. بي. سي التي تملكها الشركة الإعلامية العملاقة كابيتال ستي/وولت ديزني" (أورسولا، 1998، ص. 196) [3].

وإذا كان من المهم التذكير بأمثلة قريبة منا لتوضيح ما يجري في عالم الكراهيات اليوم، فيمكن الانتقال من الولايات المتحدة الأمريكية والعودة مجدداً إلى المنطقة العربية، وإلى البحرين على وجه الخصوص. والكراهية الطائفية مثال جيد على ذلك. والمتأمل في تاريخ هذه الكراهية يمكنه أن يتخذ من حقبة الثمانينات نقطة ارتكاز لسياسة استمرت حتى التسعينات، وجرى، خلالها، تحويل خطاب الكراهية المذهبية ضد الشيعة إلى خطاب متداول بشكل عمومي. وهي، إجمالاً، كراهية استمدت قوتها المستفزة من الموقف السلفي وكراهيته المعهودة من الشيعة. وقد تزامن هذا مع تشكّل التيار السلفي في البحرين من جهة، ومع تعمّق الأزمة السياسية والأمنية وانعدام الثقة الذي استفحل بين السلطة والتيار السياسي الشيعي العام الذي تحوّل، منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي، إلى حركة شعبية مسيّسة واحتجاجية ومناهضة للسلطة. وهذه عوامل كانت متداخلة وتتدافع فيما بينها ويمدّ كل منها تلك الأزمة بوقودها اللازم لانفجارها. وبناء على هذه المعطيات، فقد كان الشيعة معتادين، طوال الثمانينات والتسعينات، على نوع من الخطاب الطائفي الكريه الذي كان يستهدفهم في مدارس الدولة الرسمية، حيث كان من الشائع أن يكون مدرس التربية الإسلامية سلفياً متعصباً ومن خريجي إحدى الجامعات السلفية المعروفة في المنطقة، وكثيراً ما كان هذا المدرس يترك المنهج المقرر على طلابه لينهال على الشيعة بالشتم واللعن والتفسيق وحتى التكفير بسبب "زيارة القبور" و"السجود على التربة" و"التوسّل بالأئمة" وغيرها. وأتذكر جيداً أن هذا النوع من الحوادث كان شائعاً بيننا كطلاب في المرحلة الإعدادية والثانوية آنذاك. وقد كانت هذه الحوادث تتكرّر في أكثر من مدرسة دون أي حساب. إلا أن الحال تغيّر اليوم، وأصبح أي تعبير علني عن هذا النوع من الكراهية سبباً كافياً لاندلاع أزمة لا تنتهي إلا بإيقاف المدرس أو نقله إلى مدرسة أخرى. يكفي أن ينقل أحد الطلاب خبر هذه الكراهية التي تفوه بها مدرسه إلى والده، ومن هذا إلى إحدى الصحف أو إلى موقع من مواقع التواصل الاجتماعي، ثم ليس على الطالب بعد ذلك أن يفعل شيئاً، فالقضية سوف تتفاعل، وخيوطها سوف تتشابك وتتعقد، ويجري تصعيدها حتى يتحقق المطلب. ويمكن البرهنة على ذلك بحادثة مدرسة الدراز الإعدادية للبنات، حيث نظّم العشرات من أولياء أمور الطالبات اعتصاماً في يوم الثلاثاء 20 نوفمبر 2007 أمام المدرسة؛ للمطالبة بنقل إحدى مدرسات التربية الإسلامية، احتجاجاً على ما أسموه "ممارسات طائفية بحق أحد المذاهب والطعن فيه واتهام معتنقيه بالشرك"، كما دشّن المعتصمون عريضة وقع عليها نحو 500 من أولياء الأمور وأقارب الطالبات، رفعوا نسخة منها إلى ممثلي وزارة التربية والتعليم في الاجتماع الذي ضم مديرة المدرسة وممثلي أولياء الأمور، حيث وعد ممثلو الوزارة بنقل المعلمة إلى مدرسة أخرى[4]. وليس من قبيل المصادفة أيضاً أن تتكرر مثل هذه الحوادث في مدارس أخرى. ويمكن التذكير بمثال آخر جرى في أوائل العام 2008 وفي إحدى الجامعات الخاصة في البحرين حيث اضطرت هذه الجامعة لاتخاذ قرار بإيقاف إحدى مدرساتها عن التدريس بعد الضجة الإعلامية التي أثارها تصريح لها في إحدى المحاضرات قيل إنه يستهين بمكانة خالد بن الوليد في تاريخ الإسلام.

تكشف هذه الحوادث عن حجم التحول الذي جرى في عالم الكراهيات، فالبشر لم يعودوا يحتملون أدنى كراهية تصوّب باتجاههم حتى لو كانت باسم البحث عن الحقيقة الدينية أو التاريخية. ويبدو أن هذا الموضوع أصبح لا يحتمل تناوله وفق منطق الحق والباطل فيما يتعلق بمعتقدات الناس الدينية، ولا حتى وفق منطق الحقيقة والزيف فيما يتعلق بالموقف من حوادث التاريخ وشخصياته.

تقدم هذه الحوادث، كذلك، الدرس المطلوب الذي كان على كل من هيفاء وهبي وجون إموس وبوب غرانت ومعلمة التربية الإسلامية بمدرسة الدراز وأستاذة الجامعة الخاصة أن يتعلموه جيداً. ويتلخّص هذا الدرس في أن البشر أصبحوا مستعدين لكسب احترامهم بأي ثمن، وأن خطاب الكراهية والتحقير والاستفزاز لم يعد محتملاً، كما أنه لن يمرّ دون حساب ودون انعكاسات سواء كان مقصوداً أو جاء من دون قصد.

وحينما أصبح خطاب الكراهية والتحقير غير محتمل وباهظ التكاليف، ابتدأت سيرة الولادة العسيرة لما أسميه "كبت الكراهية".

3. كبت الكراهية: سيرة الكراهية في العصر الحديث

هذا تعبير يحيلنا مباشرة إلى سيغمون فرويد ومفهوم الكبت لديه. وبحسب فرويد فإن لدى البشر غرائز ورغبات أولية وغالبة وتبحث عن الإشباع بأي ثمن، وهذا هو حال الغريزة الجنسية والغريزة العدوانية (والكراهية تتحدّر من هذه الغريزة). إلا أن ثمة طبيعة اجتماعية لدى البشر، وهي طبيعة غالبة كذلك، وهي لا تسمح بالإشباع الحرّ والطليق لهذه الغرائز الخطرة على المجتمع. ومن هنا تعمد "الحضارة" وأدواتها وتنظيماتها وقوانينها وأعرافها وتقاليدها وأخلاقها إلى كبت هذه الغرائز. لقد وُجدت هذه التنظيمات، كما يقول فرويد، كي تبعدنا "عن حالة أسلافنا البهيمية" (فرويد، 1979، ص. 41)، إلا أنها قد تنقلب إلى منغصّات تحبط سعادتنا حين تعمد إلى الكبت ومنع الإشباع الحرّ للغرائز والرغبات، ومراقبة أية مخالفة لهذا المنع. لقد تمكّنت الحضارة عن طريق هذا المنع/الكبت من إضعاف الرغبات الخطرة أو التسامي بها، إلا أن هذا لم يكن بلا ثمن وبلا تضحيات.

تتبدى الحضارة وكأنها تقوم على "مبدأ العزوف عن الدوافع الغريزية" (المرجع نفسه، ص53)، كما لو أن "بناء الحضارة" يقتضي كبت الغرائز الجامحة. في حين كان الإنسان "البدائي المتوحّش"، محظوظاً "لأنه ما كان يعرف أي تقييد لغرائزه" (المرجع نفسه، ص. 77)، وكان فرويد يصفه بأنه "ابن اللحظة الشقي"، حيث كانت غرائزه المتوحشة وغير المدجّنة أو المروّضة تشبع مباشرة وفي التوّ واللحظة. لم تكن الحرية (الحرية الجنسية مثلاً) من نتاج الحضارة، بل كانت "قبل أي حضارة، من أعظم ما يمكن أن تكون" (المرجع نفسه، ص50) حتى حصلت القفزة إلى الحضارة في حياة هذا الكائن، فجرى، "بقوة المحرمات والشرائع والأعراف"، فرض "قيود جديدة على الرجال والنساء" (المرجع نفسه، ص. 61)، كما جرى حظر صارم على أي ظهور ممكن "للجنسية الطفولية البدائية المتوحّشة". وكانت نتيجة ذلك أنه تمّ تهذيب غرائز هذا الإنسان وترويضها وضبطها وتنظيم عملية إشباعها وفق حدود وضوابط لا تتناسب مع متطلبات هذه الغرائز وضغوطاتها. ومن هنا كان فرويد يرى أن العلاقة بين الحضارة والنمو الطليق والحر والمنفلت لهذه الغرائز علاقة تناسب عكسي، فكلما تحضّر البشر أكثر، خضعت غرائزهم، بشكل متصاعد، للكبت والضبط والتنظيم واقتطاع جزء من طاقتها. وفي المقابل، تتدهور الحضارة في حال جرى إشباع هذه الغرائز على نحو حر وطليق. فالحضارة، بحسب فرويد، "تقتضي التضحيات الجنسية"، مما يعني وجود "التعارض بين الحضارة والجنسية" (المرجع نفسه، ص. 67). وفرويد يبني هذا الاستنتاج على حقيقة أن الجنس علاقة بين اثنين لا ثالث لهما، في حين تقتضي الحضارة بالضرورة علاقات بين عدد كبير من البشر.

يمضي فرويد إلى ما هو أبعد من هذا حين يحفر في جينالوجيا هذا الكبت وتطوره تاريخياً. فقد كان الكبت في البداية خارجياً تفرضه وتحرسه سلطة الحضارة وأدواتها الخارجية (القوانين والأعراف والتحريمات)، ثم "حدث شيء غريب فعلاً"، حيث جرى استدماج هذا الكبت، واستبطان تلك السلطة في داخل الجهاز النفسي لكل فرد. وهنا ظهر "الأنا الأعلى" الذي اضطلع، داخل "الجهاز النفسي" لكل فرد، بوظيفة "الضمير الأخلاقي" المكلّف بمهمة "الحدّ من الإشباع" (فرويد، 1988، ص 49) ومراقبته وتقييده بحيث يتناسب مع المتطلبات الخارجية، متطلبات الحضارة وقوانينها وأعرافها وأخلاقها. لقد تمكّنت الحضارة، إذن، من السيطرة على غرائز الإنسان الخطرة والعدوانية من خلال إضعافها وتجريدها من سلاحها ووضعها "تحت مراقبة سلطة كامنة فيه، شبيهة بالحامية التي توضع في مدينة تمّ فتحها" (فرويد، 1988، ص 89).

يدور الحديث في كل هذا التحليل الفرويدي عن النفس وعن الصراع الداخلي بين رغباتها المتعارضة، وعن غرائزها التي تبحث عن الإشباع، وعن السلطات الخارجية التي جرى استدماجها داخلياً في صورة "الأنا الأعلى"، وعن الكبت الداخلي للرغبات العنيفة والذي يقي الفرد من الانهيار النفسي. إلا أن عملية "كبت الكراهية" تقع على الضدّ من كل هذا، فهي تتبدّى وكأنها ذات طابع خارجي يلازمها، فالكبت، هنا، كبت خارجي، وهو تعبير عن صراع متعدد الأطراف والأبعاد، داخلي مرة (مرتبط بغريزة الخوف على الحياة لدى الضعفاء)، وخارجي سياسي أو اجتماعي في مرات عديدة.

سبق لفرويد أن اكتشف أن الدافعين الغريزيين الأساسيين عند الإنسان يتمثلان في غريزة الحياة ممثلة في الغريزة الجنسية، وغريزة الموت والتدمير ممثلة في الغريزة العدوانية. تنزع الغريزة الأولى إلى المحافظة على الحياة، فيما تنزع الثانية إلى التدمير والإفناء، وهو تدمير قد يكون داخلياً فيعزز "الميل إلى تدمير الذات"، وقد يكون خارجياً فيبادر الفرد إلى "إفناء شيء ما خارجي عنه، حي أو غير حي، بدلاً من إفناء شخصه بالذات" (فرويد، 1988، ص. 82). وحين جرى استدماج السلطة داخلياً في صورة "الأنا الأعلى" تمكّنت الحضارة من إضعاف الغريزة الجنسية وتقييدها بتحريمات مغلّظة. وقد حصل إضعاف مماثل، كما يرى فرويد، للعدوانية عند البشر، فقد كان "على الحضارة أن تجنّد كل ما في متناولها كي تحدّ من العدوانية البشرية وكي تقلّص تظاهراتها [تجلياتها] عن طريق ردود أفعال نفسية ذات طابع خُلقي" (فرويد، 1988، ص. 49). إلا أن فرويد يلاحظ أن قوة التحريمات التي استهدفت الغريزة الجنسية كانت كافية للتهديد بضمورها، وهو يرى أن "الحياة الجنسية للكائن المتحضّر تعاني، بالرغم من كل شيء، من غبن خطير وخطل فادح؛ وهي توحي إلينا أحياناً بأنها وظيفة آيلة إلى ضمور، مثلها في ذلك مثل أسناننا وشعرنا بوصفها أعضاء" (فرويد، 1988، ص. 63). وعلى الطرف الآخر، وقف فرويد حائراً أمام العنفوان المتجدد للغريزة العدوانية لدى البشر وقوتها المتصاعدة التي لا تكاد تشيخ أو تهرم أو تضمر بالرغم من كل التحريمات والتقييدات والجهود التي بذلتها الحضارة من أجل ذلك، وكأن كل هذه الجهود قد ذهبت سدى.

لم يكن أمام فرويد، بعد هذا، سوى الاستنتاج بأن العدوانية "طبيعة بشرية" ترتكز على "استعداد غريزي بدائي مستقل بذاته"؛ ولهذا لا يمكن اقتلاع جذورها. ومن هنا، كانت العدوانية أعظم عقبة وأخطر عائق يقف ضد تقدم البشرية التي يتقرر مصيرها بمدى قدرتها على التغلب على هذه الغريزة، وبمدى قدرتها على "تذليل كبرى العقبات التي تصطدم بها الحضارة" (فرويد، 1988، ص. 114).

يتفهم فرويد المشاعر النبيلة التي جعلت الشيوعيين يعتقدون بأن إلغاء الملكية الخاصة سيقضي على العداوة والكراهية ونزعة الإيذاء بين البشر، إلا أنه يدرك جيداً أن هذا الاعتقاد إنما يتأسس على "تجاهل مثالي" للطبيعة البشرية وعدوانيتها المتجذرة. لا داعي هنا للتذكير، كما فعل فرويد، بتلك الكراهيات العريقة في تاريخ البشرية: الكراهية ضد اليهود، الكراهية الصليبية، ومعاداة السامية في ألمانيا، ولنضف إليها العنصرية ضد السود، لا داعي لهذا النوع من التذكير؛ إذ يكفي أن نرى، مع فرويد في العام 1929 (العام الذي ظهر فيه كتابه "الحضارة ومنغصّاتها") "كيف أن محاولة إرساء الأسس لحضارة شيوعية جديدة في روسيا تجد نقطة ارتكازها السيكولوجية في اضطهاد البورجوازيين، وكل ما هنالك أننا نتساءل بقلق عما سيفعله السوفييت بعد إبادة بورجوازييهم عن بكرة أبيهم؟" (فرويد، 1988، ص. 77). لم يجب فرويد عن هذا السؤال الأخير لكننا نستطيع الاستنتاج أن الخطوة التالية بعد "إبادة البورجوازيين عن بكرة أبيهم" هي البحث عن ضحايا جدد تحل بهم، في كل مرة، لعنة الكراهية، ويجري تحويلهم، باستمرار، إلى أهداف محتملة للإبادة المتجددة! عجلة الكراهية، إذن، لن تتوقف. هذا ما يمكن استنتاجه من كتاب "الحضارة ومنغصاتها".

إذا كان هذا حال الغريزة العدوانية فكيف نتحدث عن "كبت الكراهية"؟ أليست الكراهية هي السليل المباشر لهذه الغريزة العنيدة والتي لا يمكن اقتلاع جذورها من الطبيعة البشرية؟ كان فرويد واضحاً في حديثه عن غريزية العدوانية والكراهية عند الإنسان، كما كان واضحاً في حديثه عن استعصاء هذه الغريزة على الانقياد والتحكّم، وعن مقاومتها العنيدة لكل المحاولات التي استهدفت إضعافها وضمورها، وعن عبثية كل الجهود التي بذلت، في تاريخ التحضر البشري، بغاية محو هذه الغريزة من الوجود، فلا القانون كان قادراً على قمعها لكونه لا يستطيع أن يطال تلك التجليات "الأعظم حذراً وإرهافاً وخفاء للعدوانية البشرية" (فرويد، 1988، ص. 74)، ولا البشر، من جهتهم، كانوا قادرين على مقاومة نداء هذه الغريزة المتجذرة في كيانهم وطبيعتهم.

الحديث عن "كبت الكراهية" لا يعني أن الكراهية سوف تضمر وتفنى، ولا أنها سوف تقتلع من جذورها، كما أن "كبت الكراهية" لا يعني أن البشر أجمعين ستنتابهم حالة من تأنيب الضمير في كل مرة يقدمون فيها على إيذاء أحد أو يستهدفونه بالكراهية والتحقير والإهانة. إلا أن هذا لا ينبغي أن يحجب عنا ثقل الكبت الخارجي الذي صار يتربص بأي ظهور علني لهذه الكراهية. مما يعني أن البشر لن يعودوا، بعد اليوم، أحراراً في التعبير الحر والمنفلت عن كراهيتهم وإهاناتهم بحق الآخرين، وأن التجليات العلنية لهذه الكراهيات المنفلتة لن تمرّ دون قصاص. وهو قصاص خارجي ولكنه فاعل في تضييق الخناق على التعبير العلني عن هذه الكراهيات التي لم يعد أمامها سوى التحايل على الكبت أو التعبير عن نفسها خلسة وفي الخفاء وتحت أسماء مستعارة، تماماً كما يحدث مع اللصوص والسُّراق، فلا أحد يدّعي أن تجريم السرقة ونفور المجال العام منها سوف ينهي السرقة ويقضي على جميع السّراق، إلا أن أحداً من هؤلاء لم يعد قادراً على السرقة جهاراً نهاراً، فلم يبق أمامه سوى التحايل على القانون واستغفال الرأي العام أو السرقة اللصوصية في الخفاء وبعيداً عن الأنظار. وهذا ما حصل مع الكراهيات المنفلتة، حيث تضافرت مجموعة قوى خارجية عملت على كبت تجلياتها العلنية، فكانت النتيجة أن الكراهية لم تنقرض، إلا أنها لم تعد كما كانت من قبل، بل أصبح على أصحابها أن يهيّئوا أنفسهم لأصعب أنواع التضييق والإزعاح والتهديد والأذى الذي سوف يستهدفهم في كل مرة يغامرون بإرخاء العنان لغريزتهم العدوانية ولكراهياتهم المنفلتة.

4. الدولة وتجريم الكراهية

يحتاج مفهوم الكبت الفرويدي إلى نقله إلى خارج الذات، إلى خارج العالم الداخلي للفرد من أجل العودة به إلى أصله الجينولوجي القديم، وإلى سيرته الأولى حين كان قمعاً خارجياً تمارسه السلطات الخارجية على الأفراد. هل هذا دليل على أن البشرية عجزت عن استدماج هذا الكبت داخلياً في صورة "الأنا الأعلى" والضمير الأخلاقي كما حصل مع الغريزة الجنسية؟ يحتمل هذا السؤال الإجابة عنه بالنفي والإيجاب معاً، وتاريخ البشر وواقعهم يسمحان بمثل هذه الإجابات المتعارضة؛ بدليل أن البشر كانوا وما زالوا يكرهون بكل جرأة ودون تأنيب ضمير، فما زلنا إلى اليوم نرى العنصريين والطائفيين والشوفينيين والنازيين الجدد وكارهي النساء والمثليين والأجانب وهم مسلحون بكامل حقدهم العريق الذي لا ينطفئ ولا يهرم بتقادم الزمن. وما زلت ذكرى مروة الشربيني، المصرية الجنسية، حاضرة وقريبة منا، يوم دفعت الكراهية العمياء ألكس دبليو، الألماني الجنسية الروسي الأصل، إلى طعنها "طعنًا وحشيًّا" وبدم بارد، مما أودى بحياتها في 1 يوليو 2009 أمام نظر محكمة دريسدن (في ألمانيا) وهي تنظر في قضية إساءته وإهانته لها بدافع كراهية المسلمين. إلا أن علينا أن نعترف، في المقابل، بأنه مازال هناك كثيرون ينتابهم تأنيب الضمير لمجرد إهانة لفظية تصدر منهم تجاه شخص ما.

لا يعني وجود ألكس دبليو وأمثاله فشلاً تاماً في استدماج السلطة داخلياً، كما أن وجود الناس الطيبين سريعي الانجراح والتأثر لا يعني أن الحضارة نجحت، بشكل كامل، في استدماج هذه السلطة داخلياً. ومع هذا، فإن وجود أمثال هؤلاء البشر المتناقضين إنما يعني أن الرهان لم يعد معلّقاً على الكبت الداخليـ أو على قدرة البشر على استدماج السلطة داخلياً في صورة "أنا أعلى" يقمع أي رغبة في إيذاء الآخرين وأي اندفاعة كراهية تتخلّق في نفوسهم. وبدل هذا أصبح الرهان معلّقاً على قدرة الكبت الخارجي على إضعاف ومحاصرة كل أنواع الكراهيات المنفلتة التي أصبحت، اليوم، تواجه أشكالاً متفاوتة من الكبت والقمع الخارجيين.

ولمعرفة هذا النوع من الكبت سيكون علينا الانعتاق من الطابع النفسي الداخلي لمفهوم الكبت الفرويدي. فكبت الكراهية كبت خارجي، والصراع الذي ينجرّ وراءه خارجي أيضاً. وبدل أن تكون النفس (العالم الداخلي) ساحة الكبت وموقع صراعه ومقاومته، سيصبح المجال العام هو ساحة هذا النوع من الكبت والصراع والمقاومة. ولكي نفهم هذه النقلة من النفس إلى المجال العام، سوف أستعين بمثال تشبيهي استعان به فرويد في إحدى دروسه لتوضيح طبيعة الكبت ومواقع الشعور واللاشعور والمقاومة داخل النفس. يقول: "لنفترض أن في قاعة المحاضرة هذه وضمن هذا الجمع من المستمعين الهادئين المنتبهين يوجد شخص يضايقني بسلوكه ويدخل البلبلة بضحكات غير لائقة وبثرثرته أو بضربه الأرض برجليه. فأصرخ أني لا أستطيع مواصلة التدريس والحالة تلك. فينهض عند ذلك بعض المستمعين الأقوياء وبعد مصارعة قصيرة يُلقون بذلك الشخص في الرواق مطروداً "مكبوتاً" وأستطيع مواصلة محاضرتي. ولكن – اتقاء لوقوع البلبلة من جديد في صورة ما إذا حاول المطرود الدخول إلى القاعة يذهب الأشخاص الذين هبّوا لإعانتي ويُسندون كراسيهم إلى الحائط مكونين بذلك مقاومة" (فرويد، 2006، ص. 48-49)، إلا أن المشكلة لم تنته، فمن المتوقع أن يقوم المطرود بمشاغبته وإحداث ضجيجه في الخارج، وقد يصرخ "ويضرب بالباب بعنف ويفسد هكذا جوّ المحاضرة أكثر مما فعل في المرة السابقة" (فرويد، 2006، ص. 51).

وبحسب فرويد فإن قاعة المحاضرات هي ساحة الوعي، والرواق خارج القاعة يمثّل اللاوعي، والشخص المزعج يمثّل الرغبات المزعجة المكبوتة، وعملية الطرد هي عملية الكبت، وضجة المطرود في الخارج تمثّل ضجة الرغبات المكبوتة في اللاشعور والتي لا تفنى بسبب الكبت، بل تبقى تتربص متحينة الفرصة للظهور. هذا هو حال الكبت الفرويدي وتطوره وعناصره وساحته. أما كبت الكراهية فله شأن آخر، فالمجال العام يمثّل الوعي، وأروقته وقنواته الخفية وأدواته مجهولة المصدر تمثل اللاوعي، والكراهية هي الرغبة الآثمة المزعجة التي تُطرد (تُكبت) خارج المجال العام لتستقرّ في ساحات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والبيانات والكتيبات والكاسيتات والأقراص الممغنطة مجهولة المصدر (لاوعي المجال العام). وكما يحدث في الكبت الفرويدي، فإن المشكلة لا تنتهي بالكبت، فالمطرود يعاود الظهور والإزعاج ويحدث الضجة والبلبلة وهو في موقعه وساحته. كما يحدث أن يعود المكبوت للظهور في ساحات المجال العام (الوعي) إما بصورة مواربة، وإما متنكراً ومقنّعاً. وهذه حالة من التحايل على الوعي ليكون صاحب الكراهية في مأمن من المساءلة القانونية والعامة. وأحياناً يعود المكبوت بصورة سافرة جلية وغير محتملة، وغالباً ما يحدث ذلك في لحظات الطوارئ والأزمات والاضطرابات الكبرى بحيث تضعف قوة المجال العام فيعجز عن كبت الكراهية ومقاومة عودتها المتفجرة. حدث هذا مع الكراهية المتبادلة التي أسفرت عن نفسها بين عموم السنة وعموم الشيعة بعد غزو العراق في أبريل 2003، كما تكرر ذلك في الكراهية المتبادلة بين عموم الجزائريين وعموم المصريين بعد مباراة كرة القدم التي جمعت فريقي البلدين في التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس العام 2010[5]. وبالتأكيد حدث أكثر من ذلك منذ اندلاع حوادث "الربيع العربي" في كل البلدان العربية، بين السنة والشيعة، بين السنة والعلويين، بين المسلمين والأقباط، بين العلمانيين والإسلاميين، بين العرب والإيرانيين، بين حرّاس النظام القديم والمطالبين بالتغيير.

إلا أن هذه العودة المتفجرة للمكبوت لا يمكن أن تفهم إلا في أوضاع يكون فيها المجال العام هشّاً أو خاضعاً وتابعاً للدولة. فحين تُرخي الدولة قبضتها عن المجال العام نتوهم أنه أصبح قوياً وحرّ نفسه، إلا أن عودة الدولة لإحكام قبضتها عليه مرة أخرى تكشف حقيقة عجزه وتابعيته وذيليته. أقول هذا، لأنه لا يتصور عودة متفجرة للمكبوت ليعبر عن نفسه بحرية وجلاء في المجال العام إلا بضرب من ضروب التواطؤ الخفي بين الدولة وقوى الكراهية وتجّارها. وقد يعبّر هذا التواطؤ عن نفسه في صورة تحريض الدولة الخفي على الكراهية وتداولها، أو في صورة القبول والإقرار الضمنيين، وذلك حين تلتزم الدولة الصمت وتغض نظرها عن عمليات إنتاج الكراهية وتداولها ضمن حدودها بحيث يفلت تجار الكراهية من أي عقاب يستحقونه. وهذا يكشف حقيقة مهمة، وهي أن موقف الدولة من الكراهية موقف تكتيكي يقوم على المصلحة أساساً، في حين أن موقف المجال العام موقف مبدئي لا يتقلب بتقلب المصالح.

إن التمييز بين الدولة والمجال العام تمييز ضروري؛ لأنه شرط أولي لظهور المجال العام. إلا أن هذا لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة مهمة، وهي أن نشوء الدولة هو الذي سمح بظهور المجال العام، فالدولة التي ربطت جميع مواطنيها بشبكة عمومية من الروابط، وأتاحت لهم فرصة اللقاء والتواصل في مساحات ومواقع عمومية لا تخضع لملكية خصوصية لا لأشخاص ولا لجماعات أو طوائف أو قوميات، هذه الدولة هي التي مهّدت الطريق أمام نشوء المجال العام. وقد تضافر هذان القادمان الجديدان معاً، الدولة والمجال العام، من أجل "كبت الكراهية"، وتضييق الخناق على المجاهرة علناً بالكراهيات المنفلتة وأشكال الاستفزاز والتحقير والسخرية والإهانة وتشويه السمعة والتحريض.

لقد فرضت الدولة وجودها كمجموعة من الانضباطات العمومية على الجميع، وصار بإمكانها، وبقوة القانون وأجهزة الأمن الخاضعة لها، أن تحظر على مواطنيها (وجميع المقيمين على أراضيها) إنتاج كل أشكال الكراهيات المنفلتة وتداولها، بحيث صار أي تعبير علني (بالقول أو الكتابة أو الرسم أو الإشارة أو السلوك) عن هذا النوع من الكراهيات يعدّ من الجرائم التي تضع صاحبها تحت طائلة المساءلة القانونية، وإذا ما أدين بهذه الجريمة ستطبق عليه العقوبات المقررة بالغرامات المالية أو حتى بالحبس لمدد زمنية تختلف من دولة إلى أخرى. وفي البحرين، على سبيل المثال، ينص قانون العقوبات في المادة (172) بأنه يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين وبالغرامة التي لا تزيد عن مائتي دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين "كل من حرّض بطريق من طرق العلانية على بغض طائفة من الناس أو الازدراء بها، إذا كان من شأن هذا التحريض اضطراب السلم العام"، فيما تخفف المادة (309) هذه العقوبة إلى الحبس مدة لا تزيد عن سنة أو بالغرامة التي تزيد عن مائة دينار، وذلك بحق كل "من تعدى بإحدى طرق العلانية على إحدى الملل المعترف بها أو حقّر من شعائرها"، وتنص المادة (310/1، 2، 3) على العقوبة ذاتها بحق كل "من طبع أو نشر كتاباً مقدساً لدى أهل ملة معترف بها" بقصد التحقير من "أحكامه وتعاليمه"، وبحق كل "من أهان علناً رمزاً أو شخصاً يكون موضع تمجيد أو تقديس لدى أهل ملة"، وبحق كل "من قلّد علناً نسكاً أو حفلاً دينياً بقصد السخرية منه". كما تجرّم المادتين (364) و(365) القذف العلني والمساس بالعرض وخدش الشرف والسمعة والسبّ. وتجرّم المادة (370) نشر الأخبار والصور والتعليقات المتصلة بالحياة الخاصة والعائلية إذا كان من شأن نشرها الإساءة إليهم. كما تنص (المادة 38) من مرسوم بقانون رقم (47) لسنة 2002 بشأن تنظيم الصحافة والطباعة والنشر، على التزام "الصحفي بالامتناع عن الانحياز إلى الدعوات العنصرية أو التي تنطوي على ازدراء الأديان أو الدعوة إلى كراهيتها أو الطعن في إيمان أو ترويج التمييز أو الاحتقار لرأي طائفة من طوائف المجتمع". وتعاقب (المادة 69) بغرامة لا تزيد عن ألفي دينار كل من نشر ما من شأنه "التحريض على بغض طائفة أو طوائف من الناس، أو على الازدراء بها".

أصبحت الكراهيات المنفلتة والإهانات والتحقيرات جرائم يعاقب عليها. وهذا تجريم تجده في البحرين كما تجده في معظم دول العالم اليوم، تجده في الهند التي تجرّم قوانينها أي تعبير يعدّه شخص ما إساءة لدينه أو يكون سبباً في اضطراب الهدوء العام، وفي البرازيل التي ينصّ دستورها على تجريم العنصرية وخطاب الكراهية، وفي كندا التي تعدّ التحريض على كراهية جماعة من الجماعات إساءة تضع صاحبها تحت المساءلة القانونية، وفي فرنسا التي تحظر المطبوعات التي تهين وتحقّر وتحرّض على العنف والكراهية بحق شخص أو جماعة من الأشخاص بسبب العرق أو القومية أو الدين أو الجنس أو الميول الجنسية، وفي ألمانيا التي تجرّم التحريض العلني على الكراهية والتحقير وتشويه السمعة حتى لو صدرت من غير المواطنين الألمان، وفي صربيا التي تصل عقوبة الاستفزاز العرقي والحقد الديني إلى السجن عشر سنوات. أما في الدنمارك، البلد الذي فجّر أزمة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول، فينص قانونها الجنائي على معاقبة "كل شخص يسخر أو يستهزئ علناً بأي من العقائد الدينية أو الشعائر التعبدية الخاصة بأي جماعة دينية متواجدة بصورة قانونية داخل البلد" (المادة 140)، كما ينص، في مادة أخرى، على أن "أي شخص يقوم بصورة علنية أو بهدف النشر على نطاق واسع، بالتصريح أو بالإدلاء بمعلومات من شأنها أن تكون مصدر تهديد لجماعة من الأفراد، أو تجعلهم مثار تهكّم أو احتقار، وذلك بسبب الجنس أو اللون، أو الأصل القومي أو العرقي، فإنه بذلك يعرض نفسه للغرامة أو السجن مدة غير محددة، شرط ألا تزيد على عامين" (المادة 266)[6]. وهذا تجريم ستجده، كذلك، في أستراليا وإيرلندا والمملكة المتحدة وهولندا والنرويج وفنلندا والسويد وسويسرا وكرواتيا والنمسا ونيوزلندا وسنغافور وجنوب أفريقيا وتركيا والأردن ومصر والكويت وغيرها[7].

لم يكن هذا التجريم معهوداً بهذه الصورة المشددة والمعممة في كل تاريخ البشرية، لكنه اليوم أصبح حالة عامة، فلم تعد القوانين تتسامح مع الكراهيات المنفلتة وأشكال الإهانة والتحقير والاستفزاز، ولا مع التحريض على الكراهية والعنف والتمييز بين الناس بسبب الدين والعرق واللون والقومية والجنس والميول الجنسية والإعاقة. وينبغي الاستدراك هنا؛ لأن هذا لا يعني أننا سنحتفل قريباً بنهاية الكراهية وانقراضها، فهذا مطلب بعيد المنال، ولكن الثابت أن البشر لم يعودوا، بعد هذا التقنين المعمم، أحراراً في إنتاج كراهياتهم المنفلتة والمجاهرة بها وإشهارها علناً كما يشاءون وفي أي وقت ومكان ومناسبة، فهذه القوانين لهم بالمرصاد ويمكن أن تشهر في وجههم مع أي خطاب كراهية يصدر عنهم، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى. فنحن نتذكر في البحرين أن وزير العدل والشؤون الإسلامية، وبناء على طلب من النيابة العامة، طلب من رئيس مجلس النواب في فبراير 2009 رفع الحصانة البرلمانية عن أحد النواب السلفيين، وذلك بعد أن قام مواطنون برفع دعوى ضد هذا النائب تتهمه بالقذف والسب والتحقير والتحريض على كراهية طائفة من طوائف المجتمع في خطب الجمعة، وخاصة خطبة الجمعة في 2 يناير 2009 والتي تحدث فيها عن "صهاينة البحرين". وقبل هذه الدعوى التي لم تأخذ مجراها إلى القضاء لكون مجلس النواب قد رفض رفع الحصانة عن النائب، كان قد سبق لوزير العدل والشئون الإسلامية أن اتخذ قراراً بإيقاف هذا النائب عن الخطابة ونقله من جامع إلى آخر.

وفي باكستان حُكم على الكاتب والأستاذ الجامعي الباكستاني يونس شيخ بالإعدام في أغسطس 2001 بعد اتهامه بالكفر بسبب ما قيل عن إهانته الرسول في محاضراته الجامعية، ثم أطلق سراحه ليُحكم عليه في 11 أغسطس 2004 بالسجن مدى الحياة بسبب كتابه "شيطان مولوي" الذي اعتبرته محكمة كراتشي مسيئاً للإسلام. وقبل هذا كانت الحكومة الباكستانية قد أغلقت صحيفة "فرونتير بوست" اليومية الصادرة باللغة الإنجليزية في مدينة بيشاور في يناير 2000 لكونها نشرت مقالة تنتقص من الرسول. وفي 2006 فُصل مدير جريدة شيحان الأردنية بعد نشر الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية المسيئة للرسول، واعتقل اثنان من الصحفيين الأردنيين لمدة شهرين بتهمة الإساءة "للمشاعر الدينية". وفي نوفمبر 2008 كان الخطيب محمد باقر الفالي قد تسبب في أزمة سياسية في الكويت على خلفية دخوله البلاد بعد صدور حكم قضائي أولي يقضي بإبعاده عن البلاد بسبب خطبه الدينية التي قيل إنها تنطوي على "سبّ للصحابة" و"إثارة الفتن الطائفية". وفي 19 ديسمبر 2009 أوقفت الحكومة الكويتية بثّ قناة "السور" الخاصة إثر قيام الآلاف من أبناء القبائل في الكويت بالاعتصام احتجاجاً على برنامج تلفزيوني بُثّ على هذه القناة وتضمّن إهانات للبدو وأبناء القبائل. وفي العام 2009 طلبت محكمة في أمستردام باتخاذ الإجراءات القانونية ضد جيرت فيلدرز، زعيم "حزب الحرية" اليميني المتطرف ومنتج فيلم "فتنة" 2008، بتهمة التحريض على الكراهية ضد الإسلام والمسلمين، كما مثُل فيلدرز أمام المحكمة مرة أخرى بتاريخ 20 يناير 2010 بتهمة التحريض على كراهية المسلمين. وفي فرنسا أدين كثير من الكتاب بتهمة معاداة السامية وإنكار الهولوكوست، وحين قام تلفزيون المنار التابع لحزب الله بعرض مسلسل "الشتات" في 2004، اعتبر ذلك تحريضاً على كراهية اليهود، فاتخذت المحكمة الإدارية العليا بفرنسا قراراً بمنع تلفزيون المنار من البث داخل فرنسا بتهمة معادة السامية والتحريض ضد اليهود، وذلك وفقاً للقانون الفرنسي للتلفزيون الصادر في العام 1986، والذي ينص على "منع أي عملية تحريض على الكراهية والحقد، خصوصا بسبب الدين أو العرق". وفي 2008 أدانت المحكمة الفرنسية بريجيت باردو، الممثلة والمدافعة عن حقوق الحيوان، بجريمة التحريض على الكراهية العنصرية ضد المسلمين، وذلك في رسالة بعثتها هذه الممثلة إلى نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية آنذاك، تدافع فيها عن الحيوانات التي تتعرض للإذلال والإهانة قبل أن يذبحها المسلمون في "عيد الأضحى"، وتشير في الرسالة إلى أن المسلمين "دمرونا ودمروا بلدنا بهذه المشاهد". وفي العام 2008، اعتقلت حكومة ولاية أوتار براديش بشمال الهند فارون غاندي، حفيد رئيسة وزراء الهند الراحلة أنديرا غاندي والمرشّح عن الحزب الهندوسي القومي "بهاراتيا جاناتا"، بتهمة "الإدلاء بتصريحات معادية للمسلمين"، ولم يطلق سراحه إلا بعد أن قضت المحكمة العليا في الهند بإسقاط التهمة عنه. وفي تركيا يواجه الروائي الفرنسي من أصل تركي نديم غورسيل منذ العام 2008 خطر السجن لسنة أو لثلاث سنوات بتهمة التحريض على الكراهية الدينية، وذلك وفق المادة 216/1 من قانون العقوبات التركي، والتي تجرّم التحريض "على الكراهية العرقية والدينية والطائفية"، ويُتهم غورسيل، في هذه الدعوى، بالإساءة إلى الإسلام والتحريض على الكراهية الدينية في روايته "بنات الله" الصادرة بالتركية في العام 2008. وفي العام 2005 سُجن دافيد إيرفنغ، الكاتب والمؤرخ البريطاني، في النمسا بسبب موقفه الإنكاري من المحرقة اليهودية وتبرئته للنازيين من تهمة ارتكاب هذه المحرقة. وفي النمسا كذلك، فتحت السلطات، في العام 2008، تحقيقاً حول تورّط سوزان وينتر، نائبة يمينية في البرلمان، بالتحريض على الكراهية العرقية من خلال تصريحاتها المسيئة للنبي محمد والمسلمين، وذلك حين وصفت النبي بأنه "طفل شاذ كتب القرآن خلال نوبات صرع"، وحين قالت: إن الإسلام يجب أن "يلقى به خارج النمسا إلى ما وراء البحر المتوسط حيث جاء". وفي فبراير 2009 احتجّ الفاتيكان ومجموعات مسيحية داخل إسرائيل لدى الحكومة الإسرائيلية على عرض تلفزيوني إسرائيلي يسخر من المسيح ومريم العذراء وبُثّ على القناة الإسرائيلية العاشرة، فبادرت الحكومة الإسرائيلية إلى الاتصال بالقناة التي قدّمت اعتذارها للمسيحيين وتعهدّت بعدم بثّ هذه المواد مرة أخرى. والأمثلة على ذلك كثيرة وأكبر من أن تحصى.

وإذا ما غفا القانون وتكاسلت أجهزة الدولة ومؤسساتها عن ملاحقة الكراهيات المنفلتة وأصحابها، فإن قوى المجال العام لا تغفو، وهي ترصد وتحرّض الرأي العام ضد كل هتك واضطراب واستفزاز يتعرض له المجال العام والسلم العام بسبب خطابات الكراهية والتحريض والتحقير أو حتى ما يفهم على أنه كذلك. وهنا لا تقوم الدولة، بأجهزتها وقوانينها، بدور الردع وكبت الكراهية، بل تتصدى قوى المجال العام لذلك من خلال تحركات وتظاهرات واعتصامات واحتجاجات ومقاطعات وتهديدات وبيانات ومطالبات عامة تجري على الأرض أو تتوسّل بوسائل الإعلام لإيصال صوتها. وهي وإن لم يكن لها صفة الرسمية، إلا أنها تمتلك من القوة ما يؤمن لها النفوذ والتأثير وفاعلية الردع. ويمكننا، هنا أيضاً، أن نسرد الكثير من الأمثلة على القوة الردعية التي تمتلكها قوى المجال العام في مناطق متنوعة حول العالم. وهذه عينة منها: في أبريل 2000 صدر، في باريس، كتاب بعنوان "حَمْلة فرنسا" La Campagne de France للكاتب والروائي الفرنسي رينو كامو، وانطوى الكتاب على بعض المقاطع التي وصفت باللاسامية والعنصرية ضد يهود فرنسا الذين يقول رينو كامو أنهم يسيطرون على أجهزة الإعلام والثقافة في فرنسا. الناشر الذي اعتاد نشر كتب كامو (POL) رفض نشر هذا الكتاب، فقامت دار فايار بنشره، وطُرح للتداول في أبريل 2000. تعرّض، بعدها، الكتاب وصاحبه لحملة واسعة من الانتقاد والاستنكار، بدأت بوزيرة الثقافة الفرنسية آنذاك، كاثرين تاسكا، التي وصفت الكتاب بأنه "صادم ومقلق بصورة عميقة"، وتصاعدت بعد أن قام نخبة من المثقفين الفرنسين بتوقيع عريضة تنتقد الكتاب وتصف مقاطعه العنصرية بالإجرامية والتحريضية ضد اليهود، ونشرت العريضة في صحيفة "لوموند" في 25 مايو 2000، وكان من بين الموقعين عليها كلود لانزمان وجاك دريدا وفيليب سولرز. وفي أشهر قليلة نشرت حوالي 300 مقالة تتناول هذه القضية، ومعظمها تهاجم رينو كامو وكتابه. بعد كل هذا، اضطرت دار الناشر إلى سحب الكتاب من الأسواق قبل أن تتدخل الدولة ويقول القضاء كلمته، ثم أعيد الكتاب للتداول في يوليو 2000 بطبعة معدّلة ومشذّبة وتضم بين دفتيها عشر صفحات بيضاء!

من بين الحوادث الكاشفة في هذا السياق حادثة طرد نجمة تلفزيون الواقع البريطانية "جيد جودي" من برنامج "الأخ الأكبر"، بعد أن صوّت الجمهور في يناير 2007 على طردها على إثر اتهامها بالعنصرية والتعدي اللفظي على نجمة السينما الهندية "شيلبا شيتي"، الأمر الذي أثار احتجاجاً واسعاً في بريطانيا والهند، كما قام حوالي 40 ألف شخص برفع شكاوى إلى المنظمات الحقوقية بهذا الشأن، وتصدرت هذه الإساءة عناوين الصحف في بريطانيا والهند. وفي العام 2006 قررت "دار مالينغ للنشر" سحب كتاب يستخدم من قبل العديد من المعلمين بالمدارس العمومية الدنماركية من الأسواق، بعد أن كشفت صحيفة "بوليتكين" اليومية أن الكتاب يحتوي على معلومات تسيء للإسلام والمسلمين، ويتناول الكتاب الإسلام تحت عنوان "الإسلام والإرهاب". ونتذكر حجم التغطية الإعلامية الإيجابية التي أعقبت تكليف الشيخ عادل الكلباني بإمامة الحرم في العام 2008، ولم يمض عام واحد على هذا التكليف حتى خلت قائمة أئمة الحرم من اسم هذا الرجل، مما حمل كثيرين على قراءة ذلك على أنه إبعاد وإقالة له من إمامة الحرم بعد الاحتجاج الشيعي العام في المنطقة الشرقية ضد تصريحه المؤذي بحق الشيعة في برنامج "في الصميم" على الـBBC بتاريخ 4 مايو 2009، وذلك حين قال إن "علماء الشيعة كفرة"، و"عامتهم مغرر بهم"، وأنه لا يحق للشيعة "دخول هيئة كبار العلماء في السعودية". ولنا هنا أن نعيد التذكير بحادثة هيفاء وهبي وحكايتها مع تعبير "القرد النوبي"، وحادثة بوب غرانت، وحادثة جون إموس.

لم تعد مناهضة الكراهيات المنفلتة حكراً على الأعراق والطوائف التي عانت تاريخياً من كراهيات عريقة استهدفتها كما هو حال السود واليهود والشرقيين والنساء، بل إن كل الجماعات اليوم لم تعد تحتمل كراهية توجّه إليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بما فيها الجماعات الجديدة، والمثليون مثال واضح على قدرة الجماعات الجديدة على مقاومة خطاب الكراهية وكبته خارجياً، فنحن نتذكر أن لقب ملكة جمال كاليفورنيا قد سحب في العام 2009 من كاري بريجين، بعد أن أثارت ضجة واسعة بتصريحها أثناء المسابقة في أبريل 2009 حين سئلت عن رأيها في الزواج المثلي، فقالت إنها "تعارضه"، وهو ما اعتبر خطاب كراهية ضد المثليين. ويمكن، بالمثل، أن نشهد، اليوم، ضجة كبيرة تحدث بسبب تصريح أو عرض تلفزيوني يعتبر مسيئاً بحق ذوي الاحتياجات الخاصة، أو بحق المرضى النفسيين، أو بحق البدناء، أو بحق فئة مهنية معينة مثل المعلمين أو الأطباء أو المعالجين النفسيين أو غيرهم.

هذا يعني أن الناس لم يعودوا أحراراً في إنتاج كراهياتهم المنفلتة وتداولها، فقد جرى تقنين هذا النوع من التعبير عن المشاعر الكريهة، كما أصبح المجال العام ينفر ويشمئز من هذه التعبيرات الجارحة. ثم إن الناس لم يعودوا مضطرين لتحمّل كراهيات تستهدفهم وتجرح مشاعرهم في الصميم.

لقد سمحت العزلة التاريخية والفوضى وحالة اللادولة التي كانت تعيشها المجتمعات وانعدام المجال العام أو ضعفه، كل هذا سمح بوجود جماعات معزولة تمكنت من تبادل الكراهية فيما بينها من دون كوارث وأزمات كبرى، كما سمح بوجود جماعات قوية ومهيمنة من جهة، وجماعات ضعيفة ومهمّشة من جهة أخرى، مما أتاح للجماعات الأولى فرصة إشهار كراهيتها علناً ضد الآخرين دون خوف أو تحرّج وحتى دون توقّع الرد المضاد، في حين كان قدَر الضعفاء أن يتلقوا الضربات ويكتموا بنار كراهيتهم وحقدهم في صدورهم وداخل فضاءاتهم المغلقة دون أن تكون لهم القدرة على المجاهرة بذلك علناً. كان هذا هو الحال في الماضي، إلا أنه تغيّر اليوم، وأصبح بإمكان الضعفاء، في كثير من المجتمعات، إما التوسّل بالقانون وقوى المجال العام لمناهضة الكراهيات التي تستهدفهم وكبتها، وهم، في الغالب، ينجحون في مسعاهم، وإما الرد على الكراهية بكراهية مضادة وقد تكون أعظم من الأولى. وهذا ما خلق نوعاً جديداً من توازن رعب الكراهية، وهو توازن رعب يقوم على هذا المنطق: كل كراهية لن تمر بدون حساب، بل سيرد عليها بكراهية مضادة[8]. ولا ينبغي استسهال هذا النوع من توازن الرعب خاصة إذا كانت المواجهة بين قوميات وشعوب وجماعات دينية تقدّر أعداد أتباعها بمئات الملايين وبالمليارات. عندئذٍ سيكون مستقبل العالم كله في خطر.

وإذا تأملنا كل الكراهيات السابقة فسنكتشف أنها لم تكن كراهيات استثنائية أو فريدة من نوعها، ولم تكن بدعاً في تاريخ الكراهيات، بل هي كراهيات مكرورة، وربما كانت باهتة وهشّة وهزيلة إذا ما قيست بتلك الكراهيات العريقة والقاسية التي عرفها التاريخ. لم تكن عبارة "القرد النوبي"، في أغنية هيفاء وهبي، أقسى ولا أمرّ من تلك الصور النمطية الحيوانية والشهوانية المؤذية التي ألصقت بالسود عامة في المتخيّل العربي طوال العصور الوسطى. فما خطورة عبارة "القرد النوبي" إذا وضعت بجوار عبارة ابن المقفع (ت 142هـ) حين سئل عن الزنج فقال: "بهائم هاملة"، أو عبارة ابن رسته (ت 290هـ) حين وصف سكان جنوب أفريقيا بأنهم "أشدّ سواداً، وشعورهم أشدّ تفلفلاً، وخلقهم أشدّ تشوّهاً (...) متوحشي الطبائع، متشبهين في أكثر طبائعهم بالسباع المتوحشة الذعرة"؟ أو ما خطورة هذه العبارة إذا قيست بعبارة شمس الدين الدمشقي (ت 727هـ) وهو يصف سكان خط الاستواء من السود بأنهم "في عداد الوحوش والبهائم، محترقة ألوانهم وشعورهم، منحرفة أخلاقهم وخَلقهم"؟ وإذا كانت أغنية هيفاء وهبي تتحدث عن لعبة على هيئة قرد وصفت بالنوبية، فإن العبارات السابقة تقلب معادلة الوصف بصورة مؤذية وجارحة، فالبشر السود، هناك، هم البهائم والسباع لا على وجه المجاز والتشبيه، بل إن البعض ينقل عن نصير الدين الطوسي أنه كان لا يجد اختلافاً بين السود والقرود إلا في استقامة القامة! (كاظم، 2004، ص. 176-192). فإذا كانت عبارة أغنية هيفاء وهبي قد أثارت كل هذا الاحتجاج بين النوبيين، فكيف يمكن أن نتصوّر ما سيكون عليه حجم هذا الاحتجاج لو أن النوبيين – ومعهم جميع السود في العالم – قد سمعوا اليوم عبارة نصير الدين الطوسي على لسان مذيع في قناة إعلامية؟

وعلى الصعيد ذاته، فإذا ما وُضعت تعليقات جون دونالد إموس التهكمية أمام الخطاب العنصري في تاريخ الثقافة الأمريكية، فسنكتشف أن عبارة إموس باهتة وهشة ولا وزن لها أمام بشاعة العنصرية العريقة وثقلها في التاريخ الأمريكي. ويمكن القول، كذلك، بأن تصريح عادل الكلباني في برنامج "في الصميم" على الـ(BBC)، تصريح هزيل ولا يرقى لمستوى الكراهية المذهبية المرّة التي نجدها، مثلاً، في مؤلفات وفتاوى ابن تيمية وابن كثير وابن عثيمين وحتى ابن جبرين الذي كفّر عامة الشيعة دون تردد أو استثناء. وعادل الكلباني نفسه كان يعلم أنه لم يأت بجديد في تصريحه السابق، ولهذا تراه يتعجّب من الضجة التي حصلت بعد المقابلة. وفي تصريح لاحق نُشر في صحيفة "سبق" الإلكترونية بتاريخ 10 يونيو 2009، أعاد الكلباني كلامه بشأن تكفير الشيعة، وقال "إنه لم يأت بجديد في تكفير الشيعة فالعلماء منذ ابن تيمية وابن كثير حتى ابن باز وابن عثيمين قد صرحوا بكفرهم"!.

كل هذا صحيح، فلا هيفاء وهبي ولا إموس ولا الكلباني جاءوا بكراهية جديدة تفوق أو تضاهي في أذاها تلك الكراهيات العريقة التي كانت متداولة في التاريخ، إلا أن هذه كراهيات تأتي في غير أوانها. وقد فات هؤلاء أن الظروف تغيّرت، وأن خطاب الكراهية لم يعد يتمتع بالحرية المفتوحة كما كان أيام ابن تيمية وحتى أيام ابن عثيمين. ثمة تحوّل حاسم كان على هؤلاء أن يتكيّفوا معه أو يمضوا، بجهالة أو بعناد، في مواجهة مصيرهم وفقدان وظائفهم أو استقرارهم أو اعتبارهم العام أو حتى حياتهم في بعض الأحيان. وإذا خرجنا من الإطار المحلي أو الإقليمي الذي يطبع هذه الحوادث بطابعه الخاص، فسنجد أن المشهد العالمي يمرّ بالتحوّل ذاته وخاصة بعد أن بدأ المجال العام العالمي في التشكّل بسبب العولمة وبفضل التقدم المذهل في تكنولوجيات الاتصال السريع والفوري. فحين تعولمت الاتصالات تعولمت معها الكراهيات، وأصبحت انعكاسات هذه الكراهيات سريعة، بل فورية في بعض الأحيان.

5. تكنولوجيا الاتصال ومصير الكراهية

والسؤال الآن هو: ما مصير هذه الكراهيات مع التطور الهائل في تكنولوجيا الاتصال؟ قد يتوهم أحدنا أن صعود المجال العام المعزز بتقدم تكنولوجيا الاتصال السريع والفوري سيهدد وجود هذه الكراهيات والعداوات والتناحرات والأحقاد العنيدة، إلا أن هذا غير صحيح؛ لأن الكراهيات لم تختف، بل مازالت إلى اليوم قادرة على الاستفزاز والجرح والإيذاء، بل إنها ازدادت قدرة على ذلك مع زوال عزلة الجماعات (القوميات والأديان والطوائف)، واهتزاز فضاءاتها الخصوصية المغلقة، وتقدم الاتصالات بحيث صارت أخبار الكراهيات وحوادثها تنتقل بسرعة فائقة، وصارت تستحثّ معها، في كل مرة، انعكاساتها الخطيرة. وكأن "التسهيل اللامتناهي لوسائل المواصلات" الذي ابتدعته البورجوازية، وراهن عليه الماركسيون فيما بعد، قد بدأ يفعل فعله ولكن بطريقة عكسية. فالتعصب والتقوقع القوميان لم يتراجعا، وموقف العداء داخل الأمة وبين الأمم لم يختف، والكراهيات بين البشر لم تهتزّ. بل صارت تتغذّى على هذا "التسهيل اللامتناهي لوسائل المواصلات" والاتصالات، وتتوسّل به، بل تطوّعه لصالحها.

يمكننا أن نتجادل، اليوم، حول صحة هذا التحليل أو خطأه، لكن الحاصل أن هذا التحليل لم يكن عقيماً بالكامل، ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من هذا التحليل هو أن انتعاش الكراهيات بين البشر إنما كان يستمد قوته من العزلة الجغرافية ومن التقوقع والانكفاء القديمين بين الجماعات. وقد تمكّنت الجماعات، في ظل هذه العزلة، من إنتاج كراهياتها وتداولها دون تكاليف باهظة. والسبب في ذلك أن العزلة كانت تؤمّن الأجواء المناسبة لانتعاش الكراهيات داخل كل جماعة. وبناء على هذا، يمكن أن يستنتج أحدنا بأن زوال العزلة سيكون نتيجة طبيعية لانفتاح حدود الجماعات بفضل "التسهيل اللامتناهي لوسائل المواصلات" والاتصالات. وبهذا النوع من التواصل المكثّف ستزول العزلة، وتختفي، على إثر ذلك، الكراهيات العريقة. لكن الذي حصل لم يكن كذلك. فالتواصل المكثّف أصبح حقيقة بفضل التقدم المذهل في وسائل المواصلات والاتصالات والإعلام، إلا أن العزلة مازالت قائمة، والكراهيات العريقة مازالت منتعشة.

في أبريل 2017، نشر تقرير عن "مركز كانتور" كشف أن حالات العداء للسامية وكراهية اليهود في 40 بلداً حول العالم في تزايد، وأنها ساءت، بشكل لافت، في العالم الناطق بالإنجليزية. وعزا التقرير السبب في هذه الزيادة إلى مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت مثل تويتر وفيسبوك ويوتيوب. وكتب ستيفن بولارد، في صحيفة الديلي تلغراف بتاريخ 31 يوليو 2016، مقالة حول الدور الذي باتت تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في نشر معاداة السامية. ويعرض الكاتب إحصائيات الشرطة البريطانية لعام 2016، والتي تشير إلى ارتفاع حالات الكراهية المعادية للسامية بنسبة 36% في العام 2016. ويأتي هذا الارتفاع بلا سبب واضح سوى الدور الذي باتت تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي، وتويتر وفيسبوك على وجه الخصوص، في كشف ما كان مخفياً وما كان من الصعب المجاهرة به بشكل مباشر وواقعي في السابق.

قد يُقرأ هذا التأثير على أنه مفارقة، فبدل أن تكون هذه المواقع مواقع للتواصل الاجتماعي، إذا بها تنقلب إلى مواقع للتنافر واللاتواصل الاجتماعي. وهي مفارقة تضعنا أمام حقيقة مهمة، وهي أن مواقع التواصل ووسائل الاتصال والمواصلات، وسائل مرنة وطيعة ويمكن استخدامها في خدمة الأغراض المختلفة. بمعنى أن الجماعات تستطيع أن تعيد إنتاج عزلتها وكراهياتها بالاستعانة بهذه الوسائل والمواقع. وإذا كان من شبه المستحيل تأمين العزلة المكانية القديمة في عالم جرى عولمته، وأصبح بمثابة "قرية كونية"، ومشبوكاً من أقصاه إلى أقصاه بشبكات اتصال معقدة ومتكاثرة، وبفرص كثيفة للالتقاء بين البشر، أقول إذا كان هذا من شبه المستحيل فإنه من غير المستحيل، في المقابل، أن تقوم الجماعات بإعادة إنتاج عزلتها الافتراضية والمتخيلة والتواصلية، وهي تفعل ذلك، اليوم، وبالتوسّل بشبكات الاتصالات المعقدة والمتكاثرة.

لا يمكن إنكار الدور الذي لعبه ذلك "التسهيل اللامتناهي للمواصلات" والاتصالات في تقريب البشر، وتقليص المسافات، وتجاوز الحدود الجغرافية التي كانت تفصل بينهم، إلا أن هذا لا يعني، بالضرورة، زوال عزلة الجماعات؛ لأن الجماعات قد تتساكن وتتجاور في المكان، إلا أن هذا لا يعني، بالضرورة، أنها تتعايش وتتواصل فيما بينها. وبدل العزلة المكانية سنكون أمام عزلة تواصلية. ويمكن لهذه العزلة التواصلية أن تعيد إنتاج نفسها بالتوسل بتكنولوجيا الاتصال والإعلام، وذلك حين لا يجد أبناء هذه الجماعات حاجة ملحة إلى التواصل إلا مع نظرائهم من أبناء جماعتهم فقط، وحين يتوسّل هؤلاء بأحدث تقنيات الاتصال لا لشيء سوى خدمة التواصل الخصوصي المغلق فيما بينهم، وتعزيز الروابط بين أبناء جماعتهم فقط. وعلى الشاكلة ذاتها، فإن المجال العام الذي نتحدث عنه في هذا الكتاب قد يصبح عديم الأهمية حين يكون مجزّأ بحيث يكون لكل جماعة فضاءاتها وفضائياتها وإذاعاتها وصحفها ومواقعها ومنتدياتها الإلكترونية الخاصة بها. وفي مثل هذه الظروف يمكن لذلك "التسهيل اللامتناهي لوسائل المواصلات" والاتصالات، ولذلك المجال العام المجزّأ أن يؤديا وظيفتهما بطريقة عكسية، فبدل أن يعززان التواصل والانفتاح والعيش المشترك، بما يؤدي إلى زوال الفواصل وكبت الكراهية، إذا بهما يعمّقان عزلة الجماعات الافتراضية والمتخيلة، ويعيدان إنتاج الفواصل والتنافر والكراهيات والحساسيات المتبادلة.

إن التأمّل في هذه النتائج العكسية مهم جداً؛ لأنه يفرض علينا أن نعيد النقاش مجدداً في علاقة العزلة بالكراهيات، وفي دور تكنولوجيا الاتصال والمواصلات في وضع حد لهذه العزلة ولكراهياتها العريقة. وسوف أبادر إلى القول بأن الاتصال المكثّف لا يهدد العزلة لكونه يسهّل حركة البشر ويحسّن من كفاءة اتصالاتهم، بل إنه يهدّد هذه العزلة حين يتمكن من تجاوز عزلة البشر التواصلية، وحين يضع الآخر أمام الذات على نحو واقعي ومتخيّل، وحين يحمل الجماعات على الالتفات إلى آخريها ومراعاتهم، وأخذهم بعين الاعتبار من أجل التعامل معهم باحترام يليق بهم، الأمر الذي يحفظ للناس كرامتهم الإنسانية ويؤمن لهم العيش المشترك. والثابت أن البشر لا يتورّعون عن التعبير عن كراهياتهم بفظاظة جارحة في ظل غياب الآخرين المستهدفين بالكراهية، إلا أنهم (وهذا مرهون بألا يكونوا وقحين طبعاً) يحسبون ألف حساب حين يقف هؤلاء المكروهون أمامهم وجهاً لوجه على نحو واقعي أو متخيّل. قد نسمي هذا النوع من أخلاقيات مراعاة الآخرين والالتفات إليهم باهتمام مجاملةً أو حتى تقيةً أو نفاقاً، لكنه ليس، بالضرورة كذلك؛ لأن التقية والنفاق تصرفان أنانيان ويتأسسان، بالدرجة الأولى، على الاهتمام بالذات ومراعاة الذات وحمايتها من أذى الآخرين وضررهم. كما أن الالتفات إلى الآخرين، في التقية والنفاق، لا يكون إلا بدافع الخوف والخشية من قوة هؤلاء الآخرين، في حين أن أخلاقيات المراعاة تنطوي على ضرب من الاهتمام بالآخرين بالدرجة الأولى، إلا أنه اهتمام من نوع مختلف؛ لأنه لم يكن، كما في التقية والنفاق، بدافع الخوف من قوة الآخرين، بل بدافع الاحترام، احترام الجانب الإنساني فينا وفيهم. وهذا الاحترام هو الذي يدفعنا إلى مراعاة الآخرين والحرص على تجنّب جرحهم والإساءة إليهم عمداً. وهذه عملية تبادلية؛ بمعنى أن احترام الآخرين يجعل منا بشراً محترمين، كما أننا نحترم الآخرين لأننا أناس محترمون. ويبدو أن هذا النوع من احترام الآخرين ومراعاتهم، لا تكنولوجيا الاتصال ولا غيرها، هو الذي يمكن أن يهدد العزلة، وهو الذي يمكن أن يؤمّن التعايش والتواصل البناء والإيجابي بين البشر، الأمر الذي يمكن أن يضع مصير الكراهيات العريقة أمام مرحلة حرجة، بما ينعش الأمل في العيش في عالم بلا كراهية.

قد لا ينطوي هذا النوع من مراعاة الآخرين على الاحترام الذي يليق بكل البشر والذي ينبغي أن يكون نابعاً من إحساسنا الداخلي بقيمة كل إنسان وبجدارته بالاحترام. وقد يكون هذا النوع من احترام الآخرين مطلباً ثميناً، والطريق إليه طويلاً لكونه يتطلب تهذيباً أخلاقياً داخلياً بحيث نكون – نحن أولاً-أناساً محترمين لنكون، من ثَمَّ، على قناعة تامة بأن الآخرين، مثلنا تماماً، أناس جديرون بالاحترام، وأنهم يستحقون هذا الاحترام، ويستحقونه لا بتفضّل منا. على الإنسان، كما يقول إمانويل كانط، أن يتمثّل وجوده الخاص من خلال احترام "كرامة الإنسانية في شخصه هو"، الاعتراف، في الوقت ذاته، بـ"كرامة الإنسانية في كل إنسان آخر".

 

المراجع    References

ميشيل فوكو، (1990)، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة: علي مقلد ومطاع صفدي، بيروت: مركز الإنماء القومي.

ميشيل فوكو، (1990)، إرادة المعرفة، ترجمة: مطاع صفدي وجورج أبي صالح، بيروت: مركز الإنماء القومي.

Jürgen Habermas, (2001), The Public Sphere: An Encyclopedia Article, in: Meenakshi Gigi Durham & Douglas M. Kellner, Ed. Media and Cultural Studies: Key Works, (Massachusetts/Oxford: Blackwell.

Craig Calhoun (edit) (1992), Habermas and the Public Sphere, Cambridge: MIT Press.

إمانويل كانط، (2001)، ما هو عصر الأنوار؟، ضمن كتاب: الفلسفة الحديثة: نصوص مختارة، اختيار وترجمة: محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، الدار البيضاء: دار أفريقيا الشرق.

Alan McKee, (2005), The Public Sphere: An Introduction (Cambridge: Cambridge University Press.

The Public Sphere, (1964), An Encyclopedia Article, Retrieved from https://www.jstor.org/stable/487737?seq=1#page_scan_tab_contents.

كارل بوبر، (1999)، بحثاً عن عالم أفضل، ترجمة: أحمد مستجير، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

Robert van Es, (1996), Negotiating Ethics as a Two Level Debate, in: http://www.bu.edu/wcp/papers/TEthVanE.htm.

أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، رسائل الجاحظ، ج:1، 358.

سيغمون فرويد، (1979)، قلق في الحضارة، ترجمة: جورج طرابيشي، بيروت: دار الطليعة، ط:2.

سيغمون فرويد، (1988)، معالم التحليل النفسي، ترجمة: محمد عثمان نجاتي، القاهرة: دار الشروق، ط:7.

أورسولا أون، (1998)، ومن الكلام ما قتل، مجلة أبواب، العدد 17.

سيغمون فرويد، (2006)، خمسة دروس في التحليل النفسي، ترجمة: رضا بن رجب وعبد الرزاق الحليوي، تونس: دار المعرفة للنشر.

نادر كاظم، (2004)، تمثيلات الآخر، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر.


[1] - لمزيد من التوسع فيما يتعلق بكراهية السود يمكن الرجوع إلى كتابنا:

تمثيلات الآخر: صور السود في المتخيل العربي الوسيط، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط:1، 2004)

[2] - لمعرفة المزيد عن هذه الحادثة، يمكن الاطلاع على مادة "Don Imus" في موسوعة (Wikipedia) الإلكترونية على هذا الرابط: http://en.wikipedia.org/wiki/Don_Imus

[3] -. وللمزيد حول تفاصيل هذه الحادثة يمكن الاطلاع على مادة "Bob Grant" في موسوعة (Wikipedia) الإلكترونية على هذا الرابط: http://en.wikipedia.org/wiki/Bob_Grant_(radio).

[4] - انظر تفاصيل الحادثة في: صحيفة الوقت، العدد 639 - الأربعاء 21 نوفمبر 2007.

[5] - اللافت في هذه الكراهية التي انبثقت فجأة بين الشعبين الجزائري والمصري أنها كانت أشبه بمثير أو محفّز لكراهية نخبوية لم تكن متوقعة حيث انخرط بعض الإعلاميين والفنانين والكتاب في هذه الكراهية دون تحرّج، وأكبر مفاجأة في هذا السياق هو الروائي يوسف زيدان، صاحب رواية "عزازيل"، ومقالته "ذكريات جزائرية" المنشورة في جريدة "المصري اليوم" بتاريخ 25 نوفمبر 2009.

[6] - نقلنا هاتين المادتين من مقال لحافظ أبو سعده، الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، ويمكن الاطلاع على المقال كاملاً على هذا الرابط: http://www.eohr.org/ar/articles/2008/pr0228.shtml

[7] - للتوسع في موضوع تجريم الدول لخطاب الكراهية يمكن الاطلاع على مادة (Hate speech) في موسوعة (Wikipedia) على الرابط التالي: http://en.wikipedia.org/wiki/Hate_speech

[8] - لا ينبغي، بالطبع، أن ننسى أننا مازلنا نشهد حتى اليوم حركة تداول حرة نوعاً ما لأشكال متنوعة في قسوتها من كراهيات تأتي في غير أوانها وتستهدف بعض الجماعات والفئات الضعيفة في المجتمع. والغريب أن هذا التداول يجري دون رقيب ودون تحرّك من قبل قوى المجال العام، بل قد تكون هذه القوى هي مصدر هذا النوع من الكراهية. الأمر الذي يكشف عن مدى هشاشة المجال العام أو تفتته وانقسامها. خذ، مثلاً، ذلك الحديث الساخر الذي لا يخلو من كراهية وانتقاص بحق الهنود في الدراما الخليجية التلفزيونية والمسرحية، وقد صارت الكوميديا (والكلام ينسحب على النكات كذلك) واحدة من الحيل المعهودة التي تتوسّل بها صناعة الترفيه الإعلامي للتعبير عن كراهيتها ضد الفئات الضعيفة في المجتمع. وما تقوم به صناعة الترفيه الخليجية تجاه الفئات الضعيفة تقوم به، كذلك، صناعة الترفيه الأمريكية، ولكنها تقوم به، هذه المرة، تجاه المسلمين والعرب والخليجيين أنفسهم. وفي البحرين، هناك حديث لا يخلو من استفزاز وعنصرية بحق البحرينيين حديثي التجنّس، بل صار خطاب الكراهية المستفز لا يتورّع عن وصف "المجنسين" بأقذع الأوصاف. تجد هذا الخطاب حراً منتعشاً على صفحات الجرائد، ولعل أقذعها ما جاء في أحد أعمدة الرأي بصحيفة "أخبار الخليج" حيث وصف الكاتب "المجنسين" بأنهم "غاصبون" و"أميون" و"جاهلون" و"خوارج" و"دخلاء من الأغراب وشبه الأعراب" و"من معشر الأجلاف" و"ذوو العصبيات الرعوية" (انظر: أخبار الخليج، العدد 11595، الاثنين، 21 ديسمبر 2009). وهذه لغة تجدها، كذلك، في الندوات السياسية، وحتى في الحلقات النقاشية كما حصل في الحلقة النقاشية التي نظمتها جمعية الاجتماعيين في 21 نوفمبر 2009 تحت عنوان "التجنيس: مقاربة موضوعية للمواقف والآثار"، في هذه الندوة قدّم أحد الاقتصاديين، وهو نائب برلماني سابق، ورقة حول الآثار الاقتصادية للتجنيس في البحرين، انتقد فيها التجنيس إلا أنه لم يتردد في وصف جنسيات بعض المجنسين بأنها متخلفة و"غير مثقفة وغير متعلمة" (انظر: صحيفة الوسط، العدد 2634، الأحد 22 نوفمبر 2009، ص10).

د. نادر كاظم    قسم العلوم الاجتماعية  جامعة البحرين

ملخص | مراجع   |  تحميل PDF   

31-01-2018

" data-share-imageurl="">