المجال العمومي وقيم ما بعد الحداثة

المجال العمومي وقيم ما بعد الحداثة

المدخل الأخلاقي

د. عبد الله الزين الحيدري

جامعة قطر

 

Abstract

The correlation between Ethics as a philosophical and intellectual field of research, and the public sphere as a theoretical and philosophical structure, is correlation of a historical scientific nature which requires the study of the ethical structure that should be in order for the public-sector functions to remain in line with their societal objectives. in practice, the public sphere is at the heart of the cultural and social prosperity, which is the primary gateway of democratic theory. Ethics are the essence of building that prosperity, and it is its core foundations. It is the main determinant of the engineering of the social action and its effectiveness as an objective product of the public sphere. no matter how the ethical structure is defined, the features of civil society and democracy are shaped in its image

Keywords

New Public Sphere, Social Media, Media Romanticism, Media and Ethics, Intersubjectivity ,The Fifth Estate

الملخّص

التلازم بين الأخلاق كمبحث فكري فلسفي متشعّب، والمجال العمومي باعتباره بناء نظريّا وفلسفيّا، تلازم من طبيعة معرفيّة – تاريخيّة يقتضي فحص البنية الأخلاقيّة التي ينبغي أن تتوفّر لكي تظلّ وظائف المجال العمومي محقّقة لأهدافها المجتمعيّة. فالمجال العمومي، على الصّعيد العملي، هوّ قلب الازدهار الثقافي والاجتماعي، وهو المدخل الجوهري للنظريّة الديموقراطيّة. أمّا الأخلاق فهي روح بناء هذا الازدهار، وهي أساسها النهائي. إنّها المحدّد الرّئيس لهندسة الفعل الاجتماعي ومدى نجاعته كنتاج موضوعي للمجال العمومي. فكيفما تكون البنية الأخلاقيّة، تتشكّل ملامح المدنيّة والديموقراطيّة في المجتمع.

الكلمات المفتاحيّة

السلطة الخامسة، المجال العمومي الميدياتيكي، شبكات التواصل الاجتماعي، الميديا والأخلاق، التذاوت، الرّومانسيّة الإعلاميّة.

1. موضوع البحث

فعل التواصل، فعل لا يخلو من إرادة لتحقيق القصد الاتصالي بكلّ الوسائل البلاغيّة المتاحة للفرد الاجتماعي في علاقاته بنظرائه. ولئن لاح فعل التواصل مقترنا بإرادة خالصة لتحقيق القصد الاتصالي، فإنّ هذه الإرادة تحرّكها حزمة من الرغبات والمطالب الغريزيّة المولّدة أحيانا لأشكال من الصّراع والنزاع بين الذوات. لذلك نجد من الفلاسفة المنظرين، مثل كانط وهابرماس، من يدعو إلى فرض أخلاقيات عقليّة كشرط من شروط تفادي النزاع وتحقيق التفاهم.

إنّ وجوب أساس عقليّ لسلوك أخلاقي، منهج قديم حديث، تجدّد مع إيمانوال كانط وبرز بقوّة كأحد مقوّمات المجال العمومي الجامع لمجالات التواصل القائمة في المجتمع. فالمجال التواصلي اليوم، استحكمت في هندسته، الرّمزيّة بالخصوص، آليات الاتصال الفردي – الجماهيري، على نحو ظلّ فيه البث الجماهيري قدرة عامّة يقدر عليها كلّ الأفراد المستخدمين للإنترنت. فبرزت، بمقتضى المرونة الفائقة التي يوفّرها الفضاء السيبرني، أنماط جديدة من إنتاج المعنى والتدوين والتذاوت والتفاعل. كما برزت الهويات الرّقمية اللامتناهية، الافتراضيّة والحقيقيّة، فاتحة بذلك فصلا جديدا في السلوك التواصلي، فصل تميّز بنوع من التطهر من الضوابط التعبيريّة والأخلاقيّة، عبّرنا عنه في إحدى السياقات بالرّومانسيّة الإعلاميّة (الحيدري، 2013)، المنبثقة من اكتشاف الذات عبر ما حقّقته تكنولوجيا الاتصال من إمكانات واسعة للتعبير الحرّ. ولأنّ الهويات الرّقمية التي ينتحلها المستخدمون تكتسي من الطواعيّة ما يجعلها متحرّرة، في حالات كثيرة، من الحقوق والالتزامات، فإنّ انتحالها بات مرادفا لما أصبح يعرف بالجرائم الإلكترونيّة مثل الاستدراج "Pharming" والقرصنة "Piracy" والتصيّد "Phishing" والتخفّي "IP Spoofing" والتجسّس "Hacking".

لقد تدحرجت قيم الأخلاق التواصليّة تحت عنوان الحرّيات الشخصيّة وحرّية التعبير، واستفحلت الجرائم الإلكترونيّة في الفضاء السيبيري على نحو يصعب التحكّم فيه، بما جعل موضوع الأخلاق يطفو بقوّة، ليشغل الباحثين والدارسين، فالأخلاق هيّ الحلّ عندما يتعطّل القانون.

2. مشكلة البحث

المجال العمومي هوّ قلب الازدهار الثقافي والاجتماعي، هوّ أيضا قلب العمل الديموقراطي، والمدخل الجوهري للنظريّة الديموقراطيّة، وهو الحقل الوسيط الذي تشكّل تاريخيّا بين الدولة السياسيّة والدولة الماديّة.

لقد نجح المجال العمومي في الكثير من الأوساط الثقافيّة في العالم، الغربيّة بالخصوص، في ترسيخ ثقافة الجدل والاختلاف وتحقيق التماسك الاجتماعي بوصفه المولّد الحقيقي لوتيرة التقدّم الحضاري والاجتماعي. وتاريخ التغيّرات، الصغرى والكبرى، في العالم يُخبرنا بذلك، ويعلّمنا كيف أنّ نسق حدوثها وتطوّرها مُحاط من جميع أركانه بالدّور التي الذي يُؤدّيه المجال العمومي، الميدياتيكي، في صناعة الأحداث وتوجيهها. فالمجال العمومي، على اختلاف مراحله، وتبدّل هندسته، هوّ الذي يهب الأحداث معانيها الفكريّة والإيديولوجيّة، ويبثّ فيها طاقة الدفع والجذب المحقّقة للضّبط والاستقطاب، ويظلّ بذلك محور دائرة الحوادث الجارية في المجتمع، وحقل الجاذبيّة في سيرورتها. لذلك يتعيّن، عند النظر في حوادث المجتمع وتغيّراته، فهم الرّوح الاجتماعيّة التي يعمل بها المجال العمومي، لأنّ ما يُسمّى مجالا عموميّا، هوّ  في المقام الأوّل المشروع المجتمعيّ المنبثق من دوّامة المتغيّرات الثقافيّة في المجتمع. فالتربة الثقافيّة هي المحدّد الرّئيس لهندسة المجال العمومي وهي التي يتقرّر في ساحتها سلّم القيم والضوابط التي تظلّ تحكم عمل المجال العمومي، بتعبير آخر، كلّ شيء يتشكّل مرادفا لما يتقرّر في الساحة الثقافيّة أخلاقيّا وإيطيقيّا. فالتلازم بين الأخلاق والمجال العمومي تلازم جدلي وإبستمولوجي في الآن ذاته، جدلي لأنّ المجال العمومي يعمل في جميع حالاته وفي كلّ طور من أطواره بسلّم أخلاقي محدّد، وهو في الوقت نفسه منتج للأخلاق، وإبستمولوجي لأنّ تاريخ المفهوم تأسّس تدريجيّا وتجذّر في عمق المباحث الأخلاقيّة، الفلسفيّة والدينيّة والسّياسيّة.

ولأنّ التلازم بين الأخلاق كمبحث فكري فلسفي متشعّب، والمجال العمومي باعتباره بناء نظريّا وفلسفيّا، تلازم من طبيعة معرفيّة – تاريخيّة،  كان لا بدّ من فحص البنية الأخلاقيّة التي ينبغي أن تتوفّر لكي تظلّ وظائف المجال العمومي محقّقة لأهدافها المجتمعيّة. كيف تبدو هذه البنية، وماهيّ مفرداتها في مجتمع يُعرف اليوم بمجتمع ما بعد الحداثة.

3. مشارب الفكر الأخلاقي

قضيّة الأخلاق، هيّ قضيّة كلّ المجتمعات عبر كلّ العصور، وقد اهتمت بمقاربتها علوم عديدة، فلسفيّة واجتماعيّة وشرعيّة. فأمّا العلوم الشرعيّة وهي المتفرّعة عن الكتاب والسّنة فقد منحت موضوع الأخلاق مرتبة مركزيّة تعكس الأهميّة التي خصّ بها القرآن الكريم هذه المسألة في تناوله للقضايا الإيمانيّة وقضايا العبادات والمعاملات ذلك لأنّ مدار الأمر في الشريعة برمّتها هوّ الأخلاق كما بثّها الحقّ في آياته ليعمل بها عباد الرّحمن عسى أن تصلح أعمالهم وتستقيم أحوالهم. ويكاد لا يخلو موضع في القرآن ينأى عن الإشارة الضمنيّة أو المباشرة إلى قيمة الأخلاق، بل إنّ القرآن بحدّ ذاته جوهر أخلاقي متجسّد في قوله تعالى " ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين " (البقرة الآية 2).    

وأمّا العلوم الفلسفيّة فنجدها تارة تتعامل مع موضوع الأخلاق كمبحث متعدّد المشارب يستوثق رباطه بالعقل، بما يجيز تصوّرا، اعتبار الأخلاق مبحثا نظريّا غير مشروط بترجمة عمليّة، أو هو غير قابل لذلك لصفة الكمال والمثل العليا في القيم الأخلاقيّة التي ينطوي عليها. ولقد اتسمت فلسفة أفلاطون على وجه الخصوص (Alfred Fouillée, 1888) بهذا المنحى الذي يسمو بالأخلاق إلى درجة الكمال. ونجدها حينا آخر، أي العلوم الفلسفيّة، نجدها تمثّل بحدّ ذاتها جزءا من الأخلاق انطلاقا من مبدإ شموليّة الأخلاق لكلّ أفعال الإنسان، النظريّة والماديّة. والأخلاق في تاريخ الفلسفة تشكّل علما قائما بذاته مثل علم المنطق وعلم الجمال، أو هكذا يصنّفها الدّارسون والمشتغلون بالفلسفة (Henri Ritter, 1836)، وهو العلم الموجّه لتهذيب سلوك الإنسان. ويُعدّ أرسطو، في نظر الباحثين (يالجن، 1992) المؤسّس الفعلي لعلم الأخلاق وقد اجتهد في بنائه بواقعيّة بعيدة عن كلّ تصوّر مثالي لا تناله التجربة الإنسانيّة، بما يحقّق التماسك والخير في حياة الناس.

 وفلسفة الأخلاق، كفرع من الفلسفة العمليّة يُعنى بدراسة النشاط البشري، تشكّلت ملامحها في عهد أرسطو، وتواصلت حلقاتها عبر العصور مولّدة نوعا من الحلول للمشاكل المطروحة في مستوى المعاملات الإنسانيّة واتخاذ القرارات. وقد اقترنت هذه الحلول بمرجعيّات فكريّة وإيديولوجيّة وعقائديّة مختلفة. فالكائن العضوي عند نيتشه Nietzsche، مثلا، هوّ منبع الأخلاق، ويمثّل الإنسان في نظره "الخالق" الوحيد للقيم الأخلاقيّة لاعتباره مقياس كلّ شيء (Wolfgang Muller-Lauter, 1998) كما يذهب إلى ذلك روّاد المدرسة السفسطائيّة في القرن الخامس قبل الميلاد (أفلاطون (Luc Brisson, 2006). كارل ماركس(Marx) يعتبر علاقات الإنتاج المولّد الحقيقي للأخلاق في المجتمع (1872Marx,). فالأخلاق في الفلسفة الماديّة تعني مصفوفة القيم التي تنتجها القوى المهيمنة اقتصاديّا. والأخلاق عند جون جاك روسّو JJ Rousseau هي القيم التي يستمدّها الإنسان من الطبيعة ومن الدين ومن الدولة ومن التربية والتنشئة (1841Rousseau,) لمقاومة الشّر، واحتواء عوامل الفوضى الكامنة في سلوك الإنسان. والأخلاق عند فلاسفة الإسلام، منبعها الأصلي الكتاب والسّنّة. فالدين هوّ أساس الأخلاق (عبد المقصود، 1993)، والعقل هوّ المسئول الوحيد عن إدراكها واستثمارها بالقدر الذي يحقّق السّعادة في الدنيا والآخرة. ونجد هذا الاتجاه العقلي في مقاربة الأخلاق عند ابن مسكويه والماوردي وابن رشد، اللذين يتمسّكون بدور العقل في إدراك الفضائل بوصفه منبعا للأخلاق، مستندين في ذلك إلى ما ورد في الكتاب والسّنة من إشارات عميقة إلى موهبة العقل في تبيّن سبل الهدى وتمييز مكارم الأخلاق، ومستلهمين أصول فلسفة الأخلاق من التراث الفلسفي اليوناني. كما نجد عند كانط E. Kant الاتجاه ذاته، إذ يرى في الأخلاق نظاما مكنونا في ما يعرف عنده بالتلقائيّة الذاتيّة، واللّه هوّ الأصل في وجود هذا النظام المشروط بوجود عقل يحقّق له ترجمة واقعيّة.

هذه المرجعيّات، وإن اختلفت في تحديد منبع الأخلاق، فإنّ جميعها تقريبا يتفق في كون الأخلاق هيّ مادة بناء الأنظمة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة والثقافيّة، وهي أساسها النهائي كما يبيّن ذلك إيمانويل كانط في وضعه لأسس ميتافيزيقيا الأخلاق (1785Kant, ). فالأخلاق هيّ كلّ ما يبقى عندما يتعطّل القانون، أو هكذا ينظر هيجل إلى الأخلاق في بنائه لفلسفة الحق (Hegel، 1820).

4. أهميّة الأخلاق في الفكر الفلسفي

يعدّ اهتمام الفكر الفلسفي بموضوع الأخلاق نشاطا قديما، يشير بلا شكّ إلى مركزيّة الأخلاق في حياة الإنسان، بل إنّ حياة الإنسان برمّتها قائمة على حدّ أدنى من المبادئ والقيم الأخلاقيّة، النسبيّة والموضوعيّة. ولأنّ الفلسفة بحدّ ذاتها اهتمام بالشأن الإنساني، الوجودي والفكري والمعرفي، فإنّ موضوع الأخلاق يمثّل ركنا أساسيّا من أركان مباحثها. ويتجلّى الحضور المتزايد للأخلاق في التراث الفلسفي خصوصا عندما ندرس بعمق فروع الفلسفة ومباحثها، القديمة منها والحديثة، لنجد أنّ هذه الفروع إنّما تقدّم موضوع الأخلاق على أنّه جوهر التفكير في مختلف القضايا النظريّة والعمليّة. ففلسفة الفن والجمال نجدها عند الفلاسفة مرتبطة، في أغلب أطوارها[1] ارتباطا وثيقا بالأخلاق. " فإذا كان الفن اجتماعيّا، والأخلاق جزء من المنظومة الاجتماعيّة فلا بدّ أن يكون هنالك علاقة بين الفن والأخلاق " (خضر، 2009، ص.8)، علاقة قد تصل إلى حدّ التلازم مثلما هوّ الحال في فلسفة الجمال عند إيمانويل كانط أو في فلسفة الفن عند أفلاطون الذي يقرّ بتبعيّة الفن للأخلاق، فكلّما كان الفنّ ناطقا بالفضيلة ومسوّقا لقيمها، احتلّ مكانة معتبرة في المجتمع واستقرّ في وعي أفراده.

وإذا انتقلنا إلى الفلسفة السّياسيّة نجد مؤسّسي هذا المبحث، سقراط وأفلاطون، يسيران في خط فكري فلسفي مشترك يقوم على اعتبار السّياسة، بوصفها صناعة اجتماعيّة، امتدادا طبيعيا للأخلاق، لأنّ غاية الأخلاق في نظرهما هيّ الدولة. فالدولة هيّ الواقع الذي تتحقّق في حدوده الحريّة والأخلاق، ويتعيّن فيها حقوق الأفراد. ويتجلّى هذا البعد بقوّة في المبادئ التي وضعها هيجل لبناء فلسفة الحقّ (Hegel, 1820)، إذ يقرّر أنّ الأخلاق الموضوعيّة لا تتحقّق إلا في صلب الدوائر الجماعيّة: الأسرة والمجتمع المدني والدولة، وأنّ هذه الدوائر لا تعمل في غياب فاعليّة أخلاقيّة.

والسياسة والأخلاق نجدهما عند ابن رشد علمين متلازمين يشكّلان حدود ما يعرف في بنائه الفلسفي بالعلم المدني وهو العلم الأهمّ (الحدّادي، 2010)، المسئول عن تنظيم حياة الناس وتدبير شؤونهم. والعلم المدني عند الفارابي هوّ صلب الفلسفة السّياسيّة التي غايتها سعادة الإنسان. وقد اهتمّ الفارابي مثل نظرائه من فلاسفة العصر الإسلامي، كمسكويه وابن سينا والغزالي والماوردي، اهتمّ بتجذير التلازم بين الفلسفة السياسيّة والأخلاق من خلال وضعه لتصوّر أخلاقي هوّ بمثابة القاعدة الأساس للعلم السياسي.  

ولسنا في هذا المضمار لدراسة كلّ المباحث الفلسفيّة التي اهتمت بموضوع الأخلاق، فذلك عمل يستوجب أن يُفرد له دراسة مستقلّة لتشعّب المباحث واختلاف مرجعيّاتها وتناثرها بين القديم والوسيط والحديث والمعاصر، ثمّ إنّه أمر ليس من قصدنا في عمل الحال، إنّما أردنا الإشارة إلى تقاطع موضوع الأخلاق، بل واندماجه اندماجا كليّا، مع أبرز العلوم الفلسفيّة وأقدمها إن لم نقل مع الفلسفة برمّتها متمثّلة في كونها شجرة العلوم، وفق المنهج الديكارتي، وفي كون الإيطيقيا "Ethics" هيّ غايتها النهائيّة حسب تعبير سبينوزا ) (Spinoza, 1677، لنؤكّد من جديد أهميّة هذا المدخل في التراث الفكري والفلسفي، الغربي والإسلامي، والذي ينبغي الاعتناء بتواصل حلقاته ميدياتيكيّا بالخصوص، لاعتبار الأخلاق جوهرَ تحقّق إنسانيّة الإنسان، وسبيله لإدراك الخير والسعادة. فالإنسان كائن أخلاقي مزوّد خلقيّا بما يجعله ماسكا بدفّة تكييف سلوكه وقادرا على المفاضلة بين الخير والشّر.

والتسليم بأنّ الإنسان كائن أخلاقي مزّود بالفطرة بجينات أخلاقيّة تمكنه من تعديل سلوكه وفق ما يناسب الفطرة في حدّ ذاتها، وما ينسجم مع قيم الإنسان كإنسان وما ينسجم مع الإنسان بوصفه كائنا اجتماعيّا، يجعلنا نتساءل: ما الذي حدث في عصرنا حتى نرى بنية الأخلاق تتصدّع كلّما تعلّق الأمر بالتواصل في بعده الميدياتيكي، علما بأن المجتمعات الإنسانيّة تعيش على مخزون هائل من القيم الأخلاقيّة تشكّلت عبر العصور في مجالات الأدب والفن والفلسفة والعلوم والدين وغيرها ممّا هوّ متصل بحياة الإنسان الفكريّة والماديّة. هل هو التطوّر التكنولوجي الذي أتاح للأفراد الاجتماعيين فرص التعبير وإنتاج المعنى وتبادله على أوسع نطاق، والذي أطلق كذلك العنان لتمثلات الإنسان كي تتحوّل إلى كائنات بلاغيّة مرئيّة ومسموعة، أم أنّ القيم الجديدة لمجتمع ما بعد الحداثة هي الأصل في أزمة الاخلاق التي نعيشها اليوم في المجال التواصلي وفي غيره من المجالات العامّة.    

5. القيم الجديدة لمجتمع ما بعد الحداثة

 قبل التطرّق إلى النظر في القيم الجديدة لمجتمع ما بعد الحداثة، ينبغي الإشارة إلى أنّ التطوّر العلمي- التكنولوجي هوّ جزء لا يتجزّأ من فترة ما بعد الحداثة، ممّا يعني أنّ التكنولوجيا في ارتباطها بحياة الإنسان الثقافيّة والاقتصادية، ليست دائرة محايدة على مستوى التأثير في طبائع المجتمع، بل إنّ طبائع المجتمع تتبدّل وتتطوّر مع كلّ ابتكار علمي وتقني. ولا مغالاة في القول إنّ التقنية تصنعنا أكثر ممّا نصنعها، ممّا يعني كذلك أنّ ما بعد الحداثة، ليس انفصالا كليّا عن الحداثة وقيمها. إنّه استمرار لأطوارها. ويجوز عدّه أيضا انفصالا للاستمرار في منهج جديد للتفكير والسّلوك، ومن المفكّرين (1979Lyotard,) من يعتبرها مجرّد تعديل جديد لمسار قديم، فهو حينئذ مشروع الهدم والبناء. ولكن ما المقصود في سياق الحال بثنائيّة الهدم والبناء لنرى من جديد تزايد الاهتمام بموضوع القيم والأخلاق كإحدى المداخل المركزيّة في فكر ما بعد الحداثة.

 إنّ محاولة فهم ما بعد الحداثة، كمرحلة جديدة في تاريخ الحضارة الغربيّة، وكرصيد من النظريات والتيارات الفلسفيّة والفكريّة والفنيّة والنقدية، عمل يكتنفه شيء من التعقيد، وتحيط به تناقضات عديدة، حتّى أنّ مفكّري وفلاسفة ما بعد الحداثة[2] أنفسهم اختلفوا في وضع تعريف دقيق لهذه المرحلة المبشّرة في بداياتها بتحوّلات فكريّة وثقافيّة وسوسيولوجيّة عميقة ، ذلك أنّ الفكر ما بعد الحداثي لا ينتمي إلى مجال بعينه يمكن السيطرة على ألغازه المفاهيميّة، إنّه فكر يتشكّل ويتطوّر في مجالات مختلفة تراوح بين الفلسفة والأدب والفن وعلم الاجتماع، والإعلام والاتصال والسياسة...ولكلّ مجال خصائصه الفكرية والمنهجيّة. ما الذي حدث بالضبط حينئذ حتى يتدفّق هذا التيار ناطقا بوجود "خلل" في النظام الحداثي، ومعلنا نهاية الحداثة واستمرارها في الآن ذاته.

يحيل مفهوم "ما بعد الحداثة" إلى ما يعرف عند المفكّرين بـعصر "ما بعد الصناعة"، ممّا يعني ضمنيّا أنّ لمرحلة ما بعد الحداثة بعدا انطولوجيّا مرتبطا ارتباطا وثيقا بالصفات الجوهرية للمجتمعات التي حقّقت نهضتها العلميّة والصناعيّة منذ ما يناهز قرنين من الزمن. ولقد تبيّن لهذه المجتمعات مع بداية ستينات القرن العشرين فشل المشروع الحداثي الذي حقّق فيه الاتكاء الأساسي على العقلانيّة الشكليّة كوارث جمّة من الحجم الكبير : استفحال بلا حدود للرّأسماليّة، استفحال الظلم والاستبداد، أزمات اقتصاديّة وأخرى اجتماعيّة وسياسيّة، حربان عالميتان، حروب عرقيّة وأهليّة متناثرة في أماكن عديدة من العالم، حروب إقليميّة، كوارث بيئيّة... كلّ ذلك أولد لدى الغرب حالة من التشكيك في جوهر الحداثة وقيمها المستوحاة من الفكر الأنواري، وعزّز الشعور بضرورة البحث عن أفق جديد منتج لأشكال بديلة للمعرفة والعلم والتكنولوجيا والثقافة.

لقد أفضى هذا الحال إلى ظهور تغييرات فكريّة كبرى في المجتمعات الأوروبيّة أدّت إلى "إسقاط" أسطورة علميّة العلم وقوّة العقل القادر على إيجاد الحلول لمشاكل الإنسان وقضاياه، كما أدّت إلى "الكشف" عن وهم التفكير الوضعي ومشاريع الحداثة الكبرى المبشّرة بالازدهار والسعادة. وقد هيّأ هذا الارتياب بقيم الحداثة الأرضيّة الملائمة لبروز خطاب مشحون بحزمة كبيرة من النهايات، تضمّنت بالخصوص نهاية السّرديات الكبرى والمشاريع الاجتماعيّة التي أعلنها ليوتار  Jean-François Lyotard، ونهاية المؤلّف التي أفصح عنها   دريدا Derrida، ونهاية الفلسفة التي أعرب عنها هيدغير Heidegger، ونهاية الأيديولوجيا عند دانيال بال Daniel Bell، ونهاية الإنسان لدى فوكو Foucault، ونهاية العلم بالنسبة إلى هورغان John Horgan، ونهاية الميتافيزيقيا في فلسفة هابرماس Habermas. (الحيدري، 2012).

وبوتيرة سريعة، تدفّق خطاب النهايات داخل النسق الفكري الغربي خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، مترجما رفضا واسعا للمبادئ الوضعيّة التي قامت عليها الحداثة، ومعلنا انهيار النظريات الشاملة والفكر اليقيني والقيم المطلقة. إنّها حالة حضارية معربة عن "ثورة" الجديد على القديم، وهي شبيهة إلى حدّ مّا بالثورة الرّومانسيّة التي قامت خلال القرن الثامن عشر كردّ فعل على المبادئ الكلاسيكيّة في الفن والأدب والتي كانت تنادي بفصل الأخلاق عن الأدب وبمنح القيم العاطفيّة مرتبة تفوق مرتبة العقل في مقاربة الواقع الاجتماعي والإنساني (الحيدري، 2013).  

ولمّا كانت هذه الحالة في بعدها الفكري والمعرفي موغلة في تفكيك مفاصل الفكر الشمولي وهدم المركز كأحد أبرز الأيقونات الحداثيّة، كان التطوّر التقني يخيّم بثقله في المجال العمومي لتأسيس بلاغة جديدة تستوعب التمركز حول الذات والتعدّد والاختلاف والنسبيّة الأخلاقيّة، ممّا يجعل هذا التطوّر الحامل الفكري والثقافي لما بعد الحداثة.

ومن المهمّ هنا التذكير، أنّ هذه البلاغة تدور حلقاتها من خلال الألعاب اللّغوية المتحرّرة من الضوابط اللّسانية والأخلاقية، الجارية في الفضاء السيبرني، فاللّغة ظلت الوسط الرّمزي لصناعة الواقع ومعالجته، وتجلّى هذا البعد في هيمنة المواقع الاجتماعيّة والمدونات على نظام التواصل الاجتماعي. " لقد خلخل تدفق المواقع الإخباريّة الجامعة والمتخصّصة، والمدوّنات ومنتديات الحوار مركزيّة الصناعات الميدياتيكيّة، وواقعيّة الوجود المادي والفكري لخطاب السّلطة الإعلامي المنتج للاستبعاد، ليظلّ كلّ فرد مركزا بذاته منتجا للتعدّد والاختلاف، وتجذّرت بذلك نزعة استكشاف الأنا التي نادى بها شاتوبريان Chateaubriand أواخر القرن الثامن عشر، وغرسها في جيله من الرّوائيين والشعراء، كشكل من أشكال الانطلاق، وكنوع من التبرّم من (...) الأنساق والأنظمة المهيمنة، الرّافضة للتنوع الفكري والإيديولوجي" (الحيدري، 2013).

ولئن مثّلت هذه الحالة الحضاريّة جملة تجليّات النسق الفكري الغربي، فإنّ قيمها غمرت مختلف الفضاءات الثقافيّة في العالم، واستحكمت حلقاتها في الفعل الاجتماعي تحت تأثير عاملين مهمّين.

أمّا العامل الأوّل فيعود إلى حالة الانبهار بخطاب العولمة التي أصابت النخب الفكريّة والثقافية في البلدان النامية، وصورة ذلك أنّ نسبة عالية من هذه النخب انصرفوا وبشيء من المغالاة إلى تمجيد ظاهرة العولمة واعتبارها فتحا عظيما، اقتصاديّا، وثقافيّا، وسياسيّا (حرب، 2004). ولاح الانشغال عندهم بقضايا ما بعد الحداثة لعبة فكريّة لها بريق خاص يجمع بين الحيرة والمجاراة: حيرة إزاء ما يتراكم من تغيرات عميقة على أكثر من صعيد، ومجاراة للنسق الفكري الغربي كمصير محتوم ينبغي التسليم بتيّاره "الجارف".

وأمّا العامل الثاني، ويجوز اعتباره امتدادا للأوّل، وهو الأكثر تغلغلا في الفكر الاجتماعي والسّياسي، العربي بالخصوص، والأكثر خطورة، فيتمثّل في عدم الرّهان على الثقافات المحليّة كرافد أساسي من روافد التقدّم الاجتماعي والازدهار الحضاري. والسبب في ذلك يعود إلى الاعتبار الذي يمنحه العرب لثقافاتهم إذ يرونها رصيدا باهتا، وآلية بالية معطّلة عن وظائفها العلميّة والفكريّة والسوسيولوجيّة. فلغة العلم عند معاصرينا من العرب هيّ ما اشتقّ من اللاتينيّة. ولذلك نراهم يسارعون في استخدامها للغرض العلمي وكذلك لغير الغرض العلمي، كاستخدامها مثلا في مجالات التواصل الاجتماعي، والمجال العمومي إلى حدّ ظلّت فيه اللغة العربيّة مجرورة معجونة بمزيج لساني مثير يجمع بين العاميّة، والانجليزية والفرنسية. نحن لا نتصدى لكون الإنجليزية أو الفرنسيّة، أو غيرها من مشتقات اللاتينيّة، لغة علم. هذه حقيقة، تماما مثلما كانت العربيّة في عصورها المزدهرة لغة العلوم. ولكنّنا نقول إنّ كلّ نظام لغوي متماسك، قابل أن يكون حاملا للعلم بشرط استخدامه وتعديله وصيانته، لأنّ اللّغة نظام يحتاج مثل سائر الأنظمة الآليّة والإنسانيّة والحيوانيّة إلى وتيرة في الاستخدام وذكاء للتعديل، وأدوات للصيانة. ثمّ إنّ نظام اللّغة يتطوّر ويزدهر بالاستخدام فتنشأ مفردات جديدة وتتسع دلالات المفردة الواحدة ويظل بذلك النظام اللغوي الوسط المركزي للتفكير والإبداع والحامل الفكري والثقافي للإنتاج الاجتماعي. فالقضيّة حينئذ هيّ قضية استخدام، ولكنها لا تقف عند حدّ الاستخدام فقط، إنّما ينبغي أن يتعزّز الوعي لدى الفرد بأنّ اللّغة هيّ الوطن الرّمزي والواقعي، لاعتبارها موقفا من العالم.

والنتيجة الطبيعيّة عندما يتعطّل جهاز اللّغة عن أداء وظائفه جرّاء إهماله أو الاستعاضة عنه بنظام بديل، هوّ استحكام رصيد جديد من القيم الثقافيّة الواردة، استحكامها في المجتمع بما يجعله مجرورا ثقافيّا وعاجزا عن تطوير ذاته بذاته.     

إنّ عدم الرّهان على الثقافة كمعطى حضاري ومحرّكا للتطوّر الاجتماعي، علامة من علامات تبخيس الذات والاستخفاف ببنية القيم في المجتمع، ذلك لأنّ "تشبّث المغلوب بقيم الغالب" يجعله، باستمرار، يعيش في زمن الغالب، ويسهم بشكل أو بآخر في ازدهار ثقافة الغالب من خلال استخدام رموز ثقافته وأنساقها ودلالاتها في التواصل، والأكل، واللباس، والاحتفال، وسائر حياته الاجتماعيّة والفكريّة.

هكذا، ضمن سياق ما اصطلح على تسميته بمرحلة ما بعد الحداثة، وفي حضور العوامل الفكريّة والسوسيولوجيّة التي ذكرنا، تتصدّع البنية الأخلاقيّة في المجتمع مخلّفة حزمة جديدة من القيم الأخلاقيّة الهجينة المكيّفة لسلوك اجتماعي مستبطن لنوع من الاحتقار للثقافة الأمّ، بما يجعل رصيد هذه الثقافة رصيدا راكدا. ولكن الجدير بالاهتمام في موضوع الأخلاق  هوّ أنّ تصدّع بنيتها يبدأ أوّلا، وقبل كلّ شيء، من المجال العمومي لينكشف في ثوب ميدياتيكي يمنحه شرعيّة الاستحكام في "الهابيتيس" الاجتماعي[3]. المجال العمومي اليوم هوّ العضو المعلول في النظام الثقافي بالبلاد العربيّة.

6. الأخلاق بوصفها إنتاجا حضاريّا ومعرفيّا

ما سبق يجعلنا نفكّر في موضوع الأخلاق من خلال زوايا ثلاث أساسيّة.

  •  أوّلا من خلال السياق العام الحضاري والمعرفي للمجتمع، وهو الذي يكشف أهميّة الوزن السياسي للدولة إقليميّا ودوليّا. والوزن السّياسي، قد يتحدّدّ بدرجات العلم والتصنيع، ولكنه في المقام الأوّل يبقى رهن درجات القوّة الثقافيّة للأمّة، لأنّه كلّما ازدهرت الثقافة في المجتمع، توفّرت أدوات بناء القوّة الاقتصاديّة والسياسيّة، فعندما ندرس السياق العام، الحضاري والمعرفي لبلد مثل الصّين، نفهم كيف ولماذا تعمل الصّين، مستخدمة عظمتها الاقتصاديّة، على تعزيز الثقافة الصينيّة ونشرها في العالم (Lincot, 2012).
  • ثانيا يتسنى فهم البنية الأخلاقيّة للمجتمع يمرّ عبر فهم الغلاف السيميائي الذي ينتجه الفاعلون في الثقافة والعلم.
  • ثالثا إنّ أيّ إدراك للبنية الأخلاقيّة في المجتمع مشروط بإدراك كيفيّة اشتغال المجال العمومي للمجتمع ذاته.

بالنسبة للزّاوية الأولى، يحيل معنى السياق الحضاري والمعرفي للمجتمع إلى حزمة القيم الثقافيّة المتمركزة في الحياة الاجتماعيّة كضابط للعمل ومحرّك للإنتاج. فالوازع الأخلاقي هوّ المحفّز الرّئيس على العمل والإنجاز لأنّه قلب ما يعرف بالمسؤوليّة في مفهومها الإيطيقي والفلسفي (CEDIAS-Musée social, 2009). والمسؤوليّة هيّ حالة الوعي بالواجب عند الفرد، إزاء أفعاله في علاقته بنظرائه، وهي حالة منبثقة من نظام قيمي مزدوج، يتضمّن، ما يسمّى عند ماكس فيبر بإيطيقيا المسؤوليّة، وهي التي تعود بالنظر إلى الفلسفة العواقبيّة[4]، وإيطيقيا الاعتقاد القائمة على المبدأ الكانطي للواجب (Kant, 1996). وفي حين يفصل ماكس فيبر بين المستويين لاختلاف في المرجعيات، نعلن الارتباط الوثيق بين الاعتقاد والواجب لسبب رئيس وهو أنّ هذا الواجب لا يعدو أن يكون واجبا إلاهيّا مفاده الإيمان بالدين والحقّ الإلاهي، في معنى أنّ المسلم، (من أسلم وجهه لله)، يظلّ قلبه وعقله موصولا بكتاب اللّه. وهذا الحال هوّ من الأحوال الرّوحيّة، ولكن المسؤوليّة هيّ حالة الوعي بأهميّة الواجب وتنفيذه، وهذا حال من الأحوال الذهنيّة. فالمجتمعات التي حقّقت نهضتها الثقافيّة والاقتصادية هيّ التي عاشت حالة الوعي بمسؤوليّة الإنجاز الحضاري، وهي التي منحت لثقافاتها فرص الانتشار والإشعاع في العالم، خصوصا عبر الصناعات الإعلاميّة والثقافيّة الثقيلة المدروسة.

السياق الحضاري والمعرفي الحديث للمجتمعات العربيّة لم يستوعب نظاما قيميّا بالمفهوم الفيبري "wébérien"، ولا ألّف بين الواجب والمسؤوليّة في اتجاه الوصل بين الرّوح والعقل، أي بين النّهل من كلام اللّه والتدبّر. وهذا مبحث واسع الأطراف لا يسعنا الخوض في قضاياه الفلسفيّة المعقّدة (العقاد، 1971). السياق الحضاري والمعرفي العربي الحديث يشوبه اضطراب واسع في الفكر والعمل، وهو لا يتسم بالانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة على نحو ما جرى ويجري في أوروبا، إنّه غارق في خطاب الأزمات وسياسات الولاء للزعيم المحلّي، وللقوى الفاعلة في العالم، كما أنّه يتخبّط في البحث عن الهويّة واستعادة الدورة الحضاريّة. "المشهد الثقافي العربي أصابه اليوم ضرب من الوهن الذي استقرّ في مفاصله. ذلك أنّه، على الرّغم من وجود بوادر إنتاج ثقافي جادّة من حين إلى آخر، فإنّه لم يتوصّل إلى احتواء دوائر التشويش التي (تحدثها الثقافات الغربيّة)،...فالإنتاج الثقافي والإعلامي العربي، لم يحقّق معادلة الإنتاج الجدير بالمنافسة والقادر على شدّ اهتمام القارئ والمشاهد العربيين. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يتعاقد الجمهور مع (المضامين الثقافيّة التي تمت صناعاتها في مخابر الإنتاج العالميّة والتي تكون مخرجاتها موجّهة للتصدير على مستوى دولي). إنّ الأخطار المُحدِقة بالثقافة العربيّة والإسلامية لا تنحدر من السّماء، (كما يفكر البعض من الدارسين حين يتطرّقون لموضوع الأقمار الصناعيّة وتقنيات الاتصال الحديثة) (أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، 2006) ...لا يصحّ التسليم بأنّ الأقمار الصناعية هي السّبب المباشر لما أصاب الثقافة العربيّة من وهن. إنّ المشكل الأساسي كامن في الأرض. فالأقمار الصّناعية، فضلا عن كونها تقنية عائمة في محيط من الرموز الثقافيّة، تقنية غير بريئة، فإنّها تقوم بدور الوسيط لنقل المضامين ولا يجوز اعتبارها وسائط " غازية ". فالقضية الجوهريّة هي بالأساس قضيّة إنتاج وصناعة مضامين، وكذلك قضيّة تسويق لهذا الإنتاج: أيّ إنتاج يخدم اليوم الثقافة العربيّة الإسلامية، وأيّة استراتيجية لتسويق هذا الإنتاج" (الحيدري، 1998).

أمّا الزاوية الثانية المتصلة بفهم موضوع الغلاف السيميائي الذي ينتجه الفاعلون في ساحة العلم والثقافة، فالرّؤية منها تكشف ضحالة الإنتاج الثقافي والإعلامي العربي (الحيدري،2005) علما بأنّ دوائر الإنتاج الإعلامي والثقافي تُعدّ في الدول المصنّعة السّلاح الاستراتيجي الأوّل لبسط القوّة وفرض الهيمنة. والأسباب يطول عرضها وشرحها ونكتفي في مضمارنا هذا بذكر أبرزها. من ذلك مثلا، غياب الوعي بأهميّة الديموقراطيّة كسياق سوسيوسياسي له دوره في تعزيز الإبداع الفكري والفني، كذلك التخلّي عن اللّغة بوصفها الموطن الرّمزي الذي يسكنه الإنسان ومن خلاله يحدّد موقفه من العالم. لقد أدّى التخلّي عن اللّغة إلى الانشغال بالإنتاج الإعلامي والثقافي المستورد من أقطاب دولية عديدة. وتفيدنا بعض الدراسات (الحيدري،2005)، أنّ نسب المترجمين العاملين بشركات الإنتاج الدرامي العربيّة، تفوق بكثير نسب وأهميّة المؤلّفين وكتاب السيناريو. ومن الأسباب أيضا تهميش دور الباحث، وعدم استثمار الرّصيد العلمي البحثي، الضئيل هوّ الآخر، في تطوير العمل الإعلامي والصناعة الثقافيّة. إنّ المؤسّسات الإعلاميّة والثقافيّة تعمل بمعزل عن الدوائر البحثيّة والأكاديميّة، ويربك هذا الفصل وتيرة الإنتاج القائم في العديد من الحالات على الارتجال. ونصل هنا لموضوع العلم.

النسخ الأخيرة الماضية لترتيب أفضل الجامعات في العالم، الصّادرة عن جامعة شانغهاي "Jia Tong"[5]، كشفت تقدّم الولايات المتحدة الأمريكيّة وبريطانيا وبعض بلدان أمريكا الجنوبيّة وأوروبا واليابان والصين وإسرائيل في مجال البحث العلمي، ولم ترد في صدارة الترتيب ولا ضمن قائمة أفضل مائة جامعة في العالم أيّة دولة عربيّة، وإنّ في ذلك لدلالات عميقة :

أوّلها الأهميّة التي يحظى بها البحث العلمي في المواطن المذكورة إذ يمثّل رافدا حقيقيّا من روافد التطوّر والتغيّر الاجتماعي. والدّارس للطبيعة السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية للبلدان الرّائدة في مجال البحث العلمي، يجد أنّها حقّقت تقدّما وتنمية متميّزين، لا بتوفّر إمكانات وموارد ماديّة وماليّة، على الرّغم من أهميّة هذا الجانب الحاسم في نجاح عمليّة البحث العلمي، وإنّما بوجود بيئة علميّة مزدهرة تثري وتغذي حركة البحث العلمي وتراهن بالخصوص على حضوره المكثّف في شرايين الأنشطة الحيويّة للمجتمع بوصفه رصيدا غاليا لا يقلّ أهميّة عن الثروات الوطنيّة الكبرى.

الدلالة الثانية تتجلّى في المراتب التي يحتلّها البحث العلمي في البلدان العربيّة، والبلدان السّائرة في طريق النموّ، وهي التي تعتبره شأنا أكاديميّا لا يتعدّى أسوار الجامعات. لذلك نجد في حدود هذه الأوساط فكرا لا يراهن على البحث العلمي بوصفه محرّكا ديناميّا للتنمية الشاملة. وحتى نفحص بدقّة هذا الاعتبار، يكفي ملاحظة المكانة التي يحتلّها الباحث في البلاد العربيّة (الحيدري، 2014). البحث العلمي في البلدان المتقدّمة يمثّل رافدا حقيقيّا من روافد التطوّر والتغيّر الاجتماعي. والدّارس للطبيعة السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية للبلدان الرّائدة في مجال البحث العلمي، يجد أنّها حقّقت تقدّما وتنمية متميّزين، لا بتوفّر إمكانات وموارد ماديّة وماليّة، على الرّغم من أهميّة هذا الجانب الحاسم في نجاح عمليّة البحث العلمي، وإنّما بوجود بيئة علميّة مزدهرة تثري وتغذي حركة البحث العلمي وتراهن بالخصوص على حضوره المكثّف في شرايين الأنشطة الحيويّة للمجتمع بوصفه رصيدا غاليا لا يقلّ أهميّة عن الثروات الوطنيّة الكبرى. إنّ أسئلة المجتمع الحقيقيّة تولد في ساحة العلم، كما أنّ الأجوبة على أسئلة المجتمع تولد في ساحة العلم أيضا. البيئة العلميّة في البلاد العربيّة مرتبطة في وظائفها وأغراضها بمؤسّسة الدولة السّياسيّة التي تعمل على استمرار نظامها أكثر مما تعمل على تطوير النظام الواقع الاجتماعي.

وأمّا الزاوية الثالثة المتصلة بالمجال العمومي فهي الأكثر خطورة من حيث تلازم "العمومي" مع الشأن المجتمعي والصناعة الميدياتيكيّة للرّأي العام. ويجدر في هذا المضمار توضيح الحدود التي يتحرّك داخلها هذا المفهوم.

المجال العمومي مصطلح فكري فلسفي سياسي، تزايد الاهتمام بدراسته خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين حتى أنّه ظلّ إحدى المباحث البارزة في مجال العلوم الاجتماعيّة، بل إنّه تحوّل إلى مبحث مستقلّ في العديد من الدوائر الأكاديميّة. وللمصطلح جذور متشعّبة ممتدّة في العديد من المشارب الفلسفيّة من كانط إلى هابرماس، تدور كلّها حول إمكانيّة تحديده وتحقيقه أنطولوجيّا وسوسيولوجيّا، ولكنه في الوقت ذاته يحتلّ قيمة مركزيّة في الفكر السّياسي لارتباطه الوثيق بالشأن العام، ولاعتباره كذلك المجال الرّمزي لتأطير الفعل السّياسي وتحقيق التفاهم وحسم النزاعات. فعندما كان إيمانويل كانط يتحدّث عن الاستعمال العمومي للعقل، كان يضع البذور الأولى لنظريّة التواصل كمشروع مولّد للديموقراطيّة، وكحلّ للخروج من حالة القصور التي نبّه إلى خطورتها والمتمثّلة في وصاية الإنسان على الإنسان.

الفكر العربي لم يسهم في بناء مصطلح المجال العمومي أو حتى في إثراء الأدبيات المرتبطة به كمبحث فكري سياسي فلسفي، وهو اليوم أمام مشكل معرفي إذا أخذنا في الاعتبار التغيّرات الاستراتيجية والسياسيّة التي تخترق المشرق والمغرب العربيين. لقد أربكت هذه التغيرات، ضمن سياق ما أصبح يعرف بالرّبيع العربي، مركزيّة الدولة وسلطويتها داخل العديد من البلدان العربيّة بما ساعد على تغيير هندسة المجال العمومي. وظلّ بمقتضى هذا الحال التفكير في الشأن العام يمرّ عبر التفكير في المجال العمومي كهندسة واقعيّة.

ولأنّ الفكر العربي لم يسهم في نحت هذا المصطلح ولا في إنتاج أطر نظريّة وأدبيات علميّة تجعل منه فضاء يجسّد فاعليّة العقل التواصلي، ظلّ المجال العمومي في البلدان العربيّة يعمل كآليّة عمياء لا تبصر سياقها الفكري والاجتماعي المتغلغلة في أواصره، بل بات سوء الاستخدام العمومي للعقل في مداره عاملا من عوامل الإطاحة بالإعلام كسلطة رابعة سقطت معه حزمة القيم الأخلاقيّة التي تنظم تماسك النظام الإعلامي. "وإنّه من الخطير أن تغيب الأخلاق عن كلّ أشكال الممارسة الفكريّة والثقافيّة، إذ في غيابها تكبر مظاهر الاستبداد وتستفحل في المجتمع بما يجعل الانصياع للفكر المهيمن قاعدة كليّة ضابطة، والخوف قيمة مستبطنة، تحكم النظام العلائقي الاجتماعي وتدير آليات إنتاج الأفكار. ونجد الإعلام في هذه الحالة يعمل كسلطة منتجة للفوضى والاستبداد بدل العمل على إنتاج الوعي بأهميّة الاختلاف والاعتراف بالآخر وفضح الانحرافات داخل المجتمع، ويلحق هذا الوضع بطبيعة الحال ضررا بالأخلاق الذاتيّة الكامنة في الفرد، لأنّ الأخلاق، كما يبيّنها، جون جاك روسّو،Rousseau ليست موضوعيّة بالكامل، إنّما أليافها مكنونة في الإنسان، ولا يحتاج الإنسان، لكي يظل أخلاقيّا، إلى ملكة التحليل والتفكير أو إلى درجات متقدّمة من العلم والمعرفة، إنّما يتسنّى له ذلك بما تكتنزه الذات الإنسانيّة من بذور أخلاقية يحجبها المجتمع.  فالإعلام الذي ينتج الفوضى والزّيف، فضلا عن كوته ينحرف في وظائفه عن مساره الأصلي المتمثّل في الاهتمام بالشأن العامّ، فإنّه يدمّر الألياف الأخلاقيّة الموضوعيّة والذاتيّة معا، ويجذّر القطيعة في المجتمع. ويتحدّث هابرماس Habermas، في هذا الصّدد، عن الأخلاق التواصليّة معتبرا هذه القيمة، شرطا أساسيّا من شروط تشكّل مجال عامّ، يعمل من دون ضغوط، لأنّ الأخلاق التواصليّة في نظره لا تنتجها سلطات ضابطة بشكل من الأشكال، إنّما تنبثق من رحم النشاط التواصلي، أو ما يسميّه هابرماس بالعقل التواصلي القائم على التذاوت والتفاعل والتفاهم والاعتراف المتبادل، والمحقّق لما يصفه كذلك بالفاعليّة التواصليّة (الحيدري، 2013).

نفهم، في ضوء ما تقدّم، كيف لم تأت التغيّرات السياسية والاستراتيجيّة التي تعصف بالعديد من البلدان العربيّة بهندسة عربيّة للمجال العمومي، هندسة تجيب على أسئلة المجتمع وتليق بواقعيّة هذه البلدان. الأصل في ذلك يعود إلى أنّ هذه الهندسة، وإن كان المجتمع بشكل عامّ طرفا في رسمها، فإنّ شكلها النهائي يُشذّب ويُصقل في مصنع العلم. وكما يكون العلم يكون المجتمع. فالانهيار الأخلاقي الذي نشهده اليوم في المجال التواصلي بالعديد من البلدان العربيّة، ليس كلّه نابع من طبيعة مجتمع ما بعد الحداثة، وإن كان هذا السياق منتجا له في المقام الأوّل. إنّه في جزء كبير منه نابع من اعتلال كامن في ساحة العلم. الرّصيد العلمي العربي في هذا المجال رصيد باهت، لم تولد فيه الأسئلة التي تبني العلم. ثمّ إنّه مضطرب، ازدهرت فيه الدراسات الوصفيّة، والبحوث "الاستعراضيّة" المردّدة لإنجازات الباحثين في الدوائر الأكاديميّة الأورو أمريكيّة، في الوقت الذي ينبغي فيه لهذا الرّصيد أن يجيب عن أسئلة المجتمع ملبيّا احتياجاته الماديّة والرّمزيّة (الحيدري، 2013).

المراجع 

References

عبد الله الزين الحيدري (2013)، عصر الرومانسية الإعلامية، المستقبل العربي، العدد 410 نيسان. ص 33-46.

Alfred Fouillée, (1888) La philosophie de Platon: Esthétique, morale et religion platoniciennes. 2. éd., rev. et augm.

Henri Ritter, (1836), Histoire de la Philosophie, Libraire de Ladrange.

Wolfgang Muller-Lauter, (1998), Nietzsche Physiologie de la Volonté de Puissance, Ed. Allia.

مقداد يالجن، (1992)، علم الأخلاق الإسلامية، دار عالم الكتب.

 Luc Brisson (Tr.) et Platon, (2006), Apologie de Socrate, Editions Flammarion.

Marx. K, (1872), Le Capital, Maurice Lachatre et Cie. Paris.

Rousseau J.J, (1841), Emile ou de l’Education, Tome I, Pourrat Frères Editeurs, Paris

عبد المقصود عبد الغني (1993)، الأخلاق بين فلاسفة اليونان وحكماء الإسلام، مكتبة الزهراء

Kant, (1785), Fondements de la métaphysique des mœurs (tr. V. Delbos, 1862-1916), Éditions Les Échos du Maquis.

Hegel, (1820), Principes de la philosophie du droit, (trad. André Kaan, 1940), Gallimard

سناء خضر، (2009)، العلاقة بين الجمال والأخلاق عند جورج سانتيانا، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية.

عزيز الحدادي، (2010)، ابن رشد وإشكالية الفلسفة السياسية في الإسلام دار الطليعة بيروت.

Baruch Spinoza, (1677), Ethique, F. B. FB Editions, 1515028437, 9781515028437.

Jean-François Lyotard, (1979), La condition postmoderne: rapport sur le savoir, Ed. Minuit

عبد الله الزين الحيدري، (2012)، الإعلام الجديد: النظام والفوضى، دار سحر للنشر، تونس.

Emmanuel Lincot, (2012), La Chine au Défi, Ed. Erick Bonnier.

Emanuel Kant, (1996), Doctrine de la Vertu, Métaphysique des Mœurs, 2eme partie, Librairie philosophique J. Vrin.

عبّاس محمود العقاد، موسوعة عباس محمود العقاد الإسلامية - المجلد الرابع: القرآن والإنسان، دار الكتاب العربي لبنان.

عبد الله الزين الحيدري، (1998)، الفضائيات العربيّة والزّمن الاجتماعي، المجلّة العربيّة للثّقافة، عدد:33، المنظّمة العربيّة للتربية والثّقافة والعلوم.

عبد الله الزين الحيدري، (2005)، الصّناعات الإعلاميّة العربيّة: قراءة في وسائل الإنتاج، (ص 178-209)، مجلّة العلوم الإنسانيّة، جامعة البحرين.

عبد الله الزين الحيدري (2014، 2 أبريل)، العرب خارج سباق أفضل الجامعات على مستوى العالم، جريدة الشرق القطريّة.

عبد الله الزين الحيدري، (2013، ص 105- 119) طبائع العبث والفساد بالمجال العمومي، وسائل الإعلام العموميّة العربيّة وعمليّات التحوّل الديموقراطي، أعمال المؤتمر الدولي، معهد الصّحافة وعلوم الإخبار، مؤسّسة كونراد أديناور، تونس.


الاتجاه الحديث في فلسفة الفنون يعدّ الفنّ غاية في ذاته لا ينبغي إخضاعه للمعايير المجتمعيّة والأخلاقيّة، بقدر ما يجب أن يكون محكوما بقوانينه الداخليّة [1]

[2]  نذكر عل سبيل المثال هابرماس، بودريار وليوتار.

  Habitus  في إشارة إلى عبارة بيار بورديو المعروفة باسم : [3]

 فلسفة العواقبيّة، مبحث فلسفي يقوم على فئة من النظريات الأخلاقيّة المعياريّة التي تحكم تصرّف الشخص بناء على عواقب هذا التصرّف.[4]

منذ 2003، دأبت جامعة شانغهاي لترتيب أفضل الجامعات في العالم (المائة الأوائل)، ومنذ 2007 بدأت ترتيب حسب التخصّص. خمس تخصّصات كبرى تميّز أفضل الجامعات في العالم: علم الزراعة علوم الأرض والرياضيات، العلوم الهندسية، العلوم المعلوماتيّة، والعلوم الطبيّة والعلوم الاجتماعيّة. الترتيب يتمّ حسب المقاييس الآتية:

عدد الحصول على جائزة نوبل

عدد الباحثين المتميزين

عدد الدراسات والبحوث العلميّة المنشورة في (Nature et sciences et dans l index des citations scientifiques et sciences sociales)

عبد الله الزين الحيدري   جامعة قطر

ملخصمراجع  تحميل PDF   

31-01-2018

" data-share-imageurl="">