المجال العمومي و"الميديا": محاولة تفكيك علاقة ملتبسة

المجال العمومي و"الميديا": محاولة تفكيك علاقة ملتبسة*

أ.د. نصر الدين لعياضي

جامعة الجزائر

 

Abstract

This study attempts to provide a set of elements aimed at reviewing the relationship between the media and  the public sphere. For this purpose, the most prominent criticisms of Habermas’ concept of the public sphere were presented through the review of new readings of this field in the light of the evolution of political practice, the crisis of democracy in .contemporary societies and the development of the media environment .in light of the increasing use of the new media

From the political perspective, the vision of the relationship between the media and public sphere has become somewhat ambiguous. Some limit the public sphere to the field of media, while others believe that the media is distorting the public sphere. There are those who see the media fragmenting it, while others believe it is harmonizing it, and finally there are those who believe that the media is reshaping it

This study proposes to overcome this ambiguity in light of the development of the new media by moving away from the political approach of the public sphere and using a sociological one

Keywords

Public Sphere, Public Space, Politic Space, Domestic Space, Common Space, New Media, Mediation, Mediatization, sociality

ملخص

تحاول هذه الدراسة أن تقدم مجموعة من العناصر التي تستهدف مراجعة علاقة الميديا بالمجال العمومي. ولهذا الغرض تقدم أبرز الانتقادات التي وجهت للمفهوم الهابرماسي للمجال العمومي من خلال استعراض القراءات الجديدة له على ضوء تطور الممارسة السياسية وأزمة الديمقراطية في المجتمعات المعاصرة، والتغيير الحاصل في البيئة الإعلامية في ظل تزايد استخدام الميديا الجديدة.

إذا نظرنا إلى علاقة الميديا بالمجال العمومي من الزاوية السياسية نجدها تتسم ببعض الغموض. فالبعض يحصر المجال العمومي في المجال الميدياتيكي، والبعض الآخر يعتقد أن الميديا تعمل على تحريف المجال العمومي. وهناك من يرى أنها تفتته، والبعض الأخر يعتقد أنها تحدث الانسجام فيه، وأخيرا يوجد من يؤمن بأنها تعيد تشكيله.

ويمكن تجاوز هذا الغموض في ظل تطور الميديا الجديدة إذا تحررنا من المقاربة السياسية للمجال العمومي، ونظرنا إليه زاوية سوسيولوجية.

الكلمات المفتاحية

المجال العمومي، المجال السياسي، المجال العائلي، المجال المشترك، الميديا الجديدة، الوساطة,الأعلمة,المجتمعة.

مقدمة

واكب ولوج مفهوم المجال العمومي حقل العلوم الاجتماعيّة التحوّل/الأزمة التي عاشتها أوربا في القرن الثامن عشر نتيجة بداية أفول النظام الإقطاعي وصعود الطبقة البرجوازية بتداعياته الاقتصادية  إعادة النظر في التنظيم الاقتصاديّ وتوزيع الثروة  والسّياسيّة  إعادة التنظيم السياسي والمؤسساتي للمجتمع والثقافية  حركية فلسفة الأنوار في مجال الأدب والفلسفة. وتؤكّد مراجعات هذا المفهوم العديدة والمستأنفة اليوم وجود أزمة مزدوجة: أزمة سياسيّة واجتماعيّة أولا، ثم أزمة وإخفاق فلسفيين على مستوى الأدوات المفهوميّة حسبما أجمع عليه بعض الباحثين Lenoble, Jacques ; Berten, André, 1992, 83-108

وتستند كل المراجعات العديدة والمتنوّعة للمجال العمومي، التي يصعب حصرها في هذا المقام، إلى القراءة النقديّة للمفهوم الهابرماسي إلى درجة أن لويك بالاريني Loic Ballarini 2011، الذي اعتقد أنها كانت ضرورية في بدايتها، رأى أنها تطقست، أي أصبحت ذات طابع طقوسي، وفقدت تدريجيا مردودها. وأكد أنه من الصعوبة اليوم تقديم نقد للمجال العمومي يتضمن جوانب جديدة فعلا.

ليس في نيتنا تقديم قراءة جديدة للمجال العمومي تتجاوز ما هو سائد، وإنما نسعى إلى تفكيك العلاقة المعقّدة بين المجال العمومي والميديا الذي ازدادت التباسا في ظل المراجعات النقديّة المختلفة[1] لهذا المجال من جهة، ولتطور الميديا  بروز الميديا الجديدة من جهة أخرى.

نعتقد أن أول صعوبة تواجهنا في هذا المسعى تكمن في تعميم استخدام مفهوم المجال العمومي في كل مقام حدّ استنزافه إلى درجة أن الباحث جيرود آلان , 37 2000Girod Alain,  وصفه بأنه يبدو بمثابة كيس يختلف شكله بما يُحشى به.[2] وثاني صعوبة تكمن في نقل هذا المفهوم إلى اللّغة العربيّة التي لا يفصح عنها عدم الاتفاق على مقابل عربي وحيد لـــ space- espace فحسب، حيث نجده مجالا لدى البعض وفضاءً لدى البعض الآخر ، بل يعبر عنه عدم التمكن، أيضا، من إيجاد مقابل في اللّغة العربيّة يميّز العبارتين الراسختين في اللّغات الأجنبيّة  الانجليزيّة والفرنسيّة:space- espace ، sphere.[3] لقد كان الاعتقاد بأن العبارة الأخيرة تحيل إلى الواقع الأمبريقي لمفهوم المجال العمومي؛  أي " الأغورا" Agora، والهيئات والمؤسسات التي يقوم فيها من يمثلون المواطنين " بالاستخدام العمومي للحجة والعقل" و"التداول الحر للشأن العمومي"، مثل " البرلمان. بينما تحيل عبارة " Space- Espace إلى الواقع الرّمزيّ الذي يتجسد فيه هذا الاستخدام. بيد أن رجل القانون الألماني كارل شميث Carl Schmitt  نقلا عن Visone, 2014، يقدّم  فهما معاكسا في ضبطه المعرفي للمفهومين، حيث يعتبر " Sphere " Sphäre  بمثابة بُعد في الفعل والحياة البشريّة و " space "  Raum بمثابة منطقة أو مكان محدد حيث تُقام فيه العلاقة بين فكرة سياسيّة وإقليم ما. وعلى هذا الأساس يبدو أن عبارة Sphere أوسع وتشمل Space أيضا لكن هذا الفهم لا يشكل قاسما مشتركا لدى كل المهتمين بالمجال العمومي. فالباحثتان بنانسي فريزر، ومريال فالتن Fraser Nancy, Muriel Valenta, 2001 يريان أن Public Sphere تدلّ علميّا على مجال في المجتمعات المعاصرة حيث تتجسد فيه المشاركة السّياسيّة بواسطة المناقشة. بيد أن هاتين الباحثتين تؤكّدان أن استخدام مفهوم " sphere publique " لدى الكُتّاب المجدّدين، خاصة النّسويّين منهم، كان أقل دقة وتحديدا وملاءمة من كتابات هابرماس، إذا كن يقصدن به كل ما يجري خارج المجال الأسري والعائلي. بينما أعطى هابرماس بعدا آخرا لهذا المفهوم، إذ أكّد أنه يمكن أن نفهمSphere publique  "كمجمل "الأفراد الخواص" المجمعين لمناقشة المواضيع ذات "المنفعة العامة "أو "المنفعة المشتركة" Fraser, Valenta, 2001.

قد يبدو للبعض أن هاتين الصعوبتين شكليّتين لأنهما تتعلقان بمسألة الترجمة، ونقل مفهوم من لغة إلى أخرى، إلا أننا نعتقد أن الأمر أعمق من الترجمة ويطرح بشكل مغاير في اللُّغات الأجنبيّة رغم أن بعض الباحثين يستخدم sphere publique  وespace public  كمردفين يغطيان الواقع ذاته.

ويرى البعض أن الاختلاف بين البعد الفيزيائيّ والمؤسساتي والرّمزيّ للمجال العمومي يكمن في الصيغة الصرفيّة؛ أي صيغة المفرد والجمع. فالباحث باكو تيريBaqout, 2009  يعتقد أن استخدام المجال العمومي بصيغة المفرد espace public يملك معنى مختلفا عن استخدامه بصيغة الجمع Espaces publics. فالصيغة الأولى لا تشير فقط إلى المكان الذي يجري فيه النقاش السياسي والمواجهة بين الأفكار الخاصة التي يدفعها النشر والإفشاء إلى العلن، بل يدل أيضا على الممارسة الديمقراطيّة، وعلى شكل من الاتصال وسريان مختلف الآراء. أما الصيغة الثانية فتدلّ على الأماكن المتاحة للعامة لولوجها والتجول فيها مثل: الساحات العامة، والشوارع، والحدائق، وغيرها.

الصعوبة الثالثة تكمن في مزالق نقل الفئتين السياسيتين والقانونيّتين، وهما: العمومي و" الخاص" وترحيلهما من واقع المجتمعات الغربيّة اللتان اكتسبتا فيها طابعا مؤسساتيّا إلى المجتمعات الناميّة، وخاصة الإسلاميّة التي لا يوجد تمييز بينهما، على حد قول محمد كيرو 2002 Kerrou. هذا رغم اعترافه بأن التمييز بين الخاص والعام لم يكن على قدر كبير من الوضوح والحسم في المجتمعات الغربية- كما نفصل ذلك لاحقا. فإذا كانت ثنائيّة العمومي والخاص تشكل حجر الأساس في فهم المجال العمومي كقوة تتوسط المجتمع والدولة فإن مفهوم الدولة لم يرسخ في الكثير من المجتمعات النامية بدليل أنها لم تتحرّر من قبضة العائلة الممتدة، والقبيلة والعشيرة والجهة. فالنزاعات المسلحة للاستيلاء على السلطة في بعض البلدان العربية: العراق، اليمن، سوريا، ليبيا، على سبيل المثال، لم تكشف عن إخفاق في بناء الدولة الوطنيّة فحسب، بل وضعت المجتمعقَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى من التفكك. إذا تتجلّى تبعات هذا الترحيل أكثر عندما يتم الاعتماد على الفاصل السميك الذي يفصلهما في تحديد الإطار النظريّ لشرح مفهوم المجال العمومي في الفعل السياسي والإعلامي. 

قبل الشروع في محاولة تفكيك العلاقة بين المجال العمومي والميديا، يجب التوقف قليلا لمناقشة أبرز الانتقادات التي وُجهت إلى المفهوم الهابرماسي للمجال العمومي.

1-تراجع هابرماس عن بعض الأسس في تصوره للمجال العمومي البرجوازي بعد مرور ثلاثين سنة من صدور كتابه المرجعي: L’Espace public. Archéologie de la

publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise منها اعترافه بتعدّديته، وبوجود مجال عمومي شعبي Habermas, 1992, 161-191 . ورغم ذل

ظل أكبر مأخذ يسجل عليه يكمن في إغفاله على الصعيد النظري تعدّدية المجالات العمومية، وصرف نظره عن المجالات الشعبية والبديلة!

فرغم أن الواقع الأمبريقي يثبت تَشَذُّر المجال العمومي إلا أن النقاد ظلوا يؤكّدون على انحرافه نظرا لتَشَذُّره. والتشذر يعني التعدد بعبارة أخرى. ألا يوجد تناقض بين لوم

هابرماس على تجاهله المزعوم لتعدّدية المجال العمومي والتّنديد في الوقت ذاته بتَشَذُّره؟ 

فإن كنا نؤمن بأن نظرة هابرماس كانت تقتصر على المجال العمومي البرجوازي وأغفلت المجالات الأخرى فإن تعدّدية المجالات لا تعني انحراف المجال العمومي. هذا إن كنا لا نؤمن بأن التَشَتَّتَ يشكل عامل انحراف في المجال العمومي لأن الانحراف في هذا المقام يعني أن المجال العمومي الحالي قد انزاح عن النموذج المرجعي الذي يظل نموذجه الأصلي.[4]2- رغم اعتراف هابرماس بأنه أغفل إقصاء الفئات المسحوقة اجتماعيا والمرأة في تشكل المجال العمومي البرحوازي Habermas, 1992, 161-191 إلا أن الكثير من الباحثين مثل Landes, Mary Ryan, Geoff Eley Joan يعتقدون أن هابرماس قدم صورة مثاليّة للمجال العمومي الليبرالي. إن وصف المجال العمومي بالمثالي يتضمن اعتقادا باكتماله وبإمكانية خُلوّه، بهذا القدر أو ذاك، من أي إقصاء. فــ "الأغورا" في العصر اليوناني، التي جسدت الشكل الأكثر وضوحا للديمقراطيّة المباشرة آنذاك، لم تنج من الإقصاء. هذا إضافة إلى أنه من الصعوبة أن ننفي الفكرة التي مفادها أن الإقصاء يشكل عاملا من بين العوامل الأخرى التي تشجع على تعدّدية المجال العمومي وتنوّعه. 

3-الاعتقاد بمتانة الحدود الفاصلة بين المجال العمومي والخاص، واستبعاد ما هو خاص من المجال العمومي كشرط أساسي لتَشَكُّله. ويلتقي حول هذه النقطة الكثير من نقاد هابرماس. فــدومنيك ماهل Dominique Mehl, 2009, 89 - 90، على سبيل المثال، يؤكّد بأنه من المناسب الحديث عن تمفصل المجال العام والخاص وتداخلها عوضا عن الفصل بينهما. لذا يقترح الحديث عن مجال عمومي جديد تكون فيه القضايا الخاصة مرئية وحاضرة في النقاش باعتبارها عموميّة وخاصة. ولعل لهذا السبب لا يرى Nicholas Garnhamفصلا بينهما. ويعتقد بإمكانية أن يكونا عموميين  نقلا عن Tremblay Tremblay, 2007, 207 - 225  

4- المبالغة في عقلانيّة النقاش كشرط أساسي لتشكيل المجال العمومي. يذكر بالاريني Ballarini, 2011 بأن هابرماس استعمل "الاستخدام العلني والعمومي للحجة " عشرات المرات في كتابه المرجعي المذكور وقد استعار هذا التعبير من إمانويل كانط. ويرى أن هذا الاستخدام لا يملك أي أهمية في حد ذاته ما لم يكن مرتبطا بغايته، وهي تمديد فكر الأنوار.

5- إبراز المجال العمومي كحَيِّز للنقاش والمداولات من أجل التوافق في الرأي، وبالتالي تمَثُّله في صورة خالية من أي نزاع، وهذا يتنافى مع المعطى التاريخي كما يستشف من تأكيد بعض الباحثين، مثل أوسكار نيغت Oskar Negt وألكسندر كلوج Alexander kluge، اللذان نحتا، في سبعينات القرن الماضي، مفهوم المجال العمومي المعارض للمجالالبرجوازي الذي تحدث عنه هابرماس والذي يدلّ، بشكل جوهريّ، على محدوديّة الديمقراطيّة الليبراليّة  , 2016 Neumann . هذا مع العلم أن البعض يرى أن المجال العمومي ليس حيزا يتطور فيه النقاش العام الذي يسمح بتشكّل رأي عام، بل للنشر والإعلان عن ناتج جمع الآراء الفردية. بالطبع إن القبول بهذا التعريف للمجال العمومي في حدوده الدنيا لم يَخْل من النقد  Dacheux,2010  

6- يرى الكثير من النقاد بأن " المجال العمومي" من المنظور الهابرماسي أنتقل من كونه بناء اجتماعي للعلاقات التي تتوسط المجتمع والدولة في القرن 18 إلى إطار معياري غير زمني ليشكل نموذجا للمجال العمومي في كل الحقب التاريخيّة وفي كل المجتمعات. وقد وضّح Neumann, 2016 هذه الفكرة بالقول إن هابرماس لم يتمكن من تجاوز المشكل المروث عن كانط والمتمثل في التباين بين المفهوم المتعالى عن المكان والزمان والممارسة الاجتماعيّة الأمبريقية. ويبدو أن هذا الرأي/ الحكم لم يأخذ بعين الاعتبار التصحيحات التي قدمها هابرماس للمجال العمومي. إذ اعترف لاحقا بأن المجال العمومي ليس بنية معياريّة متمايزة الاختصاصات والأدوار، ورأى بأنه يمكن وصفه بشكل أفضل كشبكة تمكن من نقل المضامين والمواقف المتخذة والآراء 387 Habermas,1997,  

لا شك أن المآخذ التي سُجلت على المفهوم الهبرماسي قد عملت على توسع مفهوم المجال العمومي من جهة. وأضفت على علاقته بالميديا بعض اللبس، من جهة أخرى. اللبس الناجم عن الاجتهاد النظري لفهم المجال العمومي، وتطور التمثلات للميديا ولاستخداماتها نتيجة تعدّد منصات البث والتوزيع الإعلامي، وتنوّع منتديات النقاش في الكثير من مواقع شبكة الانترنت، وتشكُّل الجماعات الافتراضيّة في مواقع التواصل الاجتماعي.

نعتقد أن تفكيك العلاقة بين الميديا والمجال العمومي تتطلب أولا الإشارة إلى منطلقات فهمها. فالمنطلق الأول، ينظر إليها من زاوية الميديا، والمنطلق الثاني ينظر إليها من زاوية المجال العمومي، أي من خلال إعادة مراجعة التمثّل لما هو المجال العمومي في ديناميكيته الاجتماعية.

وسنحاول أن نرفع اللبس عن هذه العلاقة من متابعة انزياح التفكير فيها من الإعلامي إلى السياسي، ومن السياسيّ إلى السوسيولوجيّ.

الميديا والمجال العمومي: من الإعلامي إلى السياسي

حصر برنار مياج Miège, 1997 أربعة نماذج من الفعل في المجال العمومي الديمقراطيّ انطلاقا من تقنيات الاتصال المهيمنة، وهي: صحافة الرأي، والصحافة الجماهيريّة التجاريّة، والوسائل السمعيّة-البصريّة الجماهيريّة، والعلاقات العامة المعممةلقد ساهمت هذه النماذج في تقويض نموذج المجال العمومي البرجوازي. فصحافة الرأي تراجعت في العديد من المجتمعات الليبراليّة المتقدمة إلى درجة تكاد تندثر أمام صعود الصحافة الإخباريّة والصحافة الشعبيّة Press People ذات الطابع التجاري التي غيبت الحوار والجدل و" الاستعمال العلني للحجة". وتوجهت الوسائل السمعية البصرية إلى الفرجة والاستعراض من أجل الترفيه والتسلية كاختيار فرضته جملة من العوامل يأتي في مقدمتها الإشهار الذي يظل في اعتقادنا عاملا أساسيا في تحوّل وسائل الإعلام وتطورها. التحوّل الذي عمل على تهميش الخدمة العمومية إن لم يغيّبها، وجرّ المؤسسات الإعلاميّة إلى إنتاج محتويات العلاقات العامة المعممة بالمعنى المحدد أعلاه والتي أطلق عليها غيتان تروبلي  2007 Tremblay,  التواجد الدائم للاستراتيجيات التواصلية" communicationelles stratégies omniprésence des".  

وهذا رغم دخول فاعلين جدد في المجال العمومي، وهم خبراء الاتصال وسبر الآراء، بعد أن كان مقتصرا على محترفي السّياسة والصحافيين Champagne, 1990

بالطبع، لم تتشكل هذه النماذج بالصورة ذاتها في كل المجتمعات. فلم تصل صحافة الرأي، على سبيل المثال، في تطورها في بعض البلدان النامية إلى إنتاج خطاب جدالي يعدّ ثمرة النقاش السياسي حول القضايا ذات العلاقة بالشأن العام في بعض البلدان الناميّة، بل عملت على إعادة إنتاج الخطاب الدعائي الذي يروم " إجماع " الواجهة، ولم تفلح في صنع " التوافق في الرأي" المبنى على المداولة في الطرح. إذ يلاحظ أن بعض الصحف لم تفتح المجال للنقاش إلا حول القضايا الدولية مستبعدة القضايا الداخلية من النقاش والنقد. وبعض الصحف تَمَثَّلت ذاتها في الممارسة كأنها أحزاب سياسيّة وانكفأت على تبرير مواقف الحكومات المتعاقبة أو هذا التيار الأيديولوجي والسياسي أو ذاك مستبعدة أي موقف أو رأي معارض له من التعبير عن ذاته في صفحاتها.[5]

1-الميديا تشذر المجال العمومي: يستنتج من النماذج الأربع أن الميديا عملت على توسيع المجال العمومي وتشذره ولم تدرج التحوّلات التي طرأت على الميديا بعد ميلاد شبكة الانترنت وتداعياتها على المجال العمومي. لقد أدت الممارسة الاتصالية في ظل هذه البيئة الجديدة إلى فك ارتباطها بالمكان مما نتج عنه تعدد المجالات العمومية التي لا يمكن المبالغة في وزنها السياسي مستقبلا Relieu, 2000, 157 - 186 Dahlgren

لكن لو تمعّنا في الواقع الأمبريقي فإن للحيّز الجغرافي حكمه في هذا التعدّد أو التَشَتَّت. فوجود مقهى في حيز جغرافي معين لا تستوعب سوى عددا محدودا من الناس، ومهما تزايد عدد المقاهي فلا يمكن أن يستوعب كل الناس المهتمين بمناقشة قضايا الشأن العام. وكذلك الأمر بالنسبة للصحف فلم يكن الجميع يقرأها ناهيك عن أن لكل صحيفة جمهورها. وهذا الأمر ينطبق، أيضا، على وسائل الإعلام الكلاسيكيّة، مثل المحطات الإذاعية والقنوات التلفزيونية قبل أن ترتهن للإشهار. فتعدّدها يدلّ على تَشَذُّرجمهورها. التَشَذُّر الذي وُجِد قبل ميلاد شبكة الانترنت ومختلف منصاتها الإلكترونيّة ومواقع شبكاتها الاجتماعيّة التي كان لها الفضل في توسيع القاعدة الاجتماعيّة للمشتركين فيها. هذا إضافة إلى أن التَشَذُّر ليس وليد استشراء حوامل الإعلام والميديا. إنه بالأحرى نتيجة منطقية للتَشَذُّر الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي يميز المجتمعات الصناعيّة المتقدمة Tremblay 2007, 207-225

في فهمه لعلاقة الميديا بالمجال العمومي لاحظ باتريك شارودوCharaudeau, 1999, 73-92 أن المجال العمومي يتشذر على مختلف المستويات: أولا، على مستوى البناء الاجتماعي للمعنى المتشذر أساسا بواسطة التمفصل الجدلي بين " الأحداث، والتمثلات، والمنظومات"، ثم على مستوى الممارسة الاجتماعية المتشذرة بدورها إلى مختلف مجالات النشاط  السياسي، الاقتصادي، والميدياتيكي . وأخيرا، على المستوى الميدياتيكي المشتذر بدوره إلى مختلف الأنشطة الخطابية[6]. ويرى الباحث ذاته أن تشذر المجال العمومي مرتبط بتشذر الرأي العام  وشرحه بكيفية تشكل ما يسميه " الجماعات الخطابية" communautés discursives ".[7]

وقد رأى البعض في شبكة الانترنت وسيلة لبروز مجالات عمومية صغيرة وديناميكية غير مترابطة ببعضها البعض , 1999 NEVEU

2-الميديا تحرف المجال العمومي: رغم أن المجال العمومي لا يمكن اختزاله في المجال الميدياتيكي إلا أن أتباع المدرسة النقدية يرون أن الميديا تعمل على تحريف المجالالعمومي لأنها انحرفت عن دورها التنويري، وسقطت ضحية التسلية، والتسلية سلعت المجال العمومي. لقد عبر ألكسي هونيث نقلا عن Neumann, 2016 بالقول أن الخطر على المجال العمومي يكمن في تسليع وسائل الإعلام وفي مسار التجريد الذي يعاني منه التمثيل السياسي وفق نمط صناعة الثقافة.

بالطبع إن التسليع لم يقتصر على المضامين التي تبثها وسائل الإعلام، بل امتد إلى العلاقات الاجتماعيّة التي تنشئها، بيد أن هذه الحقيقة لا يمكن أن تخفي النظرة التبخسية للتسلية التي تقوم بها الوسيلة الإعلامية. ليس هذا فحسب، بل إنها تنفي أي بعد اجتماعي للتسلية في تشكيل المجال العمومي. وهذا ما سنفصله لاحقا. لقد شكل التداخل بين الإعلام والإشهار والترفيه إطارا لممارسة ما يسميه دولتن Dolton بالعلاقات العامة المعمم".[8]  168 ,1995Miege, . ويقصد بها تلك العلاقات التي تركز على المواضيع التوافقيّة، وتستهدف كل مجالات الحياة، وصناعة الانخراط، وتسعى إلى التوجه على وجه الخصوص إلى الأشخاص /المستهلكين/ الزبائن، أكثر من المجموعات و" الجمهور".

3-الميديا تحدث التجانس في المجال العمومي: يعتقد الكثير من الباحثين، خاصة أتباع المدرسة الثقافوية Culturaliste وتحليل الخطاب الإعلامي  1989, Mouillaud, Tétu

2013  Servais , أن الميديا تعمل على إحداث التجانس في المجال العمومي وذلك لكونها تنتج/ تعيد إنتاج التمثلات المهيمنة. وضمن هذا المنطلق فإن قراءة الصحيفة ذاتها يسمح بنشر أحداث العالم الاجتماعي في عالم يتخيّله كل قاري ويشترك فيه كل القراء   Awad,2010 . وإن كان تحليل هذا الخطاب في أبعاده الأمبريقية تجاوز دراسة تشخيص التمثّلات وراح يسأل عن نوع التجربة السياسيّة التي تقترحها Servais, 2013 إلا أنّه منح الأولوية إلى المضمون المتداول عبر وسائل الإعلام بتضميناته الأيديولوجية وتبعاته على المجال العمومي على حساب المتلقي وإشكالية تلقيه للخطاب الصحفي. وبهذا فإنه يلتقي مع مختلف نظريات تأثير وسائل الإعلام على الجمهور ويعتبرها تحصيل حاصل.

ونظرا لاندماج كل فرد في وسطه الاجتماعي والمهني في الواقع العملي وعلى الصعيد الافتراضي، ولبحثه عما يعزّز قناعاته واختياراته وميولاته، استنتج الباحث ترمبليTremblay, 207, 207-225 أن المجال العمومي ليس وحيدا وأنه غير منسجم. وذهب إلى أبعد من ذلك عندما استعار عنوان إحدى مقالات بيار بورديو وأعاد صياغته ليتماشى مع أطروحته ليصبح" المجال العمومي لا وجود له l’espace public n’existe pas.

4-الميديا تعيد تشكيل المجال العمومي: تجدّدت النظرة لالمجال العمومي على ضوء اتساع الاستخدام الاجتماعي للانترنت. إذ ساد الاعتقاد بأن هذه الأخيرة أحدثت انقلابا في المعمار الأوليغارشي للمجال العمومي التقليدي وأجرت تغييرا على إحدى قواعده. ففي السابق كان النشر والإعلان يتم بعد الغربلة والانتقاء أما بعد استخدام الانترنت أضحت الغربلة تأتي بعد النشر 2010 ، Cardon .

بعد أن أضحت وسائل الإعلام التقليديّة أسيرة سلطة المال ولوبيات السياسة، وتحولت إلى مصنع للترفيه والتسلية، واسهمت في إفراغ النقاش العمومي الذي تثيره حول القضايا ذات الشأن العام من محتواه، تجدّد الأمل في شبكة الانترنت ومنصاتها الرقمية ومواقع شبكاتها الاجتماعية حيث اعتقد أنها تحدث تغييرا جذريا في الممارسة السّياسيّة بعد أن قدمت شكلا مغايرا من الوساطة السّياسيّة

ترسخ هذا الاعتقاد في ظل ما أصبح يعرف بأحداث "الربيع العربي" انطلاقا من اعتقاد أن هذه الشبكات متحرّرة من كل أجندة سياسيّة بحكم أنها ليست ملكية أي حزب سياسي، ومنعتقة من سلطة المال، وتمنح صوتا للمقصيين من النقاش العمومي. ففي هذا الإطار يرى الكثير من الكتاب مثل مانويل كاستلز Castells, 2014, 431 أن الشبكات الرقميّة التي تتسم بطابعها التحرّري وحتّى التمردي تشكل ساحة عامة سواء على الصعيد الوطني أو الكوني باتكائها على الحركات الاجتماعيّة ذات الطابع الاحتجاجي، قد نقلت مستخدم الانترنت من شخص يريد الاستعلام عن هذه الحركات إلى الالتزام والانخراط فيها.

يبدو أن الطاقة الثوريّة للشبكات الرقميّة الكامنة في فوريّة الإعلام ونقل الأخبار، والتنسيق والتنظيم لم يفلحا في دفع الجماهير إلى التظاهر في الشارع وإبقائها أطول فترة على غرار الحركات الاجتماعيّة الاحتجاجيّة والنضاليّة التي شهدها مطلع القرن العشرين. والسبب في ذلك لا يعود إلى افتقاد هذه الحركات زعيم كاريزماتي وعدم استنادها إلى أيديولوجيا محددة تؤطرها وتجندها فقط. فأمام هذا الواقع تبدو مواقع هذه الشبكات وغيرها من المنصات الرقمية أنها أفلحت في إعطاء الانطباع بأن الثورة موجودة في كل وقت وكل مكان Ubiquité، على غرار ما فعلته شاشات التلفزيون بالحركة الجماهيرية التي أسقطت شاوشيسكو في رومانيا.[9]  لكن الغريب في المواقع الشبكات الاجتماعيّة التي ساهمت في تجنيد الناس وانخراط المحتجين في بعض البلدان التي شهدت حركات جماهيرية قويّة، مثل روسيا في شتاء 2011-2012 ساهمت في عزل المعارضة السّياسيّ 2015  Kondratov,  التي كان يُعَوَّل عليها في القيام بالتغيير المطلوب.

بالفعل لقد أدرجت القوى السّياسيّة المتدافعة على السلطة في المجتمعات الديمقراطيّة " الميديا الجديدة"، في استراتيجيتها الاتصاليّة، خاصة في المحطات السّياسيّة الحاسمة، مثل الانتخابات السّياسيّة. ونُسب إليها فوز الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعهدتين رئاسيتين، ودونالد ترومب في الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة. لكن هذه الحقيقة لم تمنع بعض الكتاب من الدعوة إلى التقتير في التفاؤل بإسهام الشبكات في صياغة مجال عمومي جديد. إذ يعتقدون أنها لازالت بعيدة عن المثل الديمقراطية لأنها تحوّلت إلى أداة وحلبة للسوق الكوني فأخضعت النشاط الإعلامي والاتصالي ككلّ إلى المنطق المركنتيلي mercantiliste Dahlgren, Relieu, 2000 هذا ما تؤكده زيادة الاعتماد على المؤثرين influenceurs في المنتديات والمدونات الإلكترونيّة ومواقع الشبكات الاجتماعيّة لتغيير سلوك المستهلكين أو إعادة بناء الصورة الذهنيّة للشركات والمؤسسات.

يرى رليو ودهغرين Dahlgren, Relieu, 2000 أن المجال العمومي لا يوجد في حالة ثابتة وساكنة بل يخضع لحزمة من التغيرات المرتبطة بالتحولات في البيئة الاجتماعيّة والنماذج الثقافية والمشهد الإعلامي. وأن هذا المشهد يشكل من تفاعل وسائل الإعلام التقليدية والميديا الجديدة ومن السديم الذي تنتجه وسائل الإعلام الهجينة التي تلتقي فيها وسائل الإتصال الجماهيري ووسائل الاتصال الجماهيري  الذاتيّة Self Mass media [10] . يمكن أن نلتمس القاسم المشترك الذي يجمع المؤمنين بأن وسائل الإعلام التقليديّة أو الميديا الجديدة عملت على تشكيل المجال العمومي وفق النموذج الليبرالي بالذين يعتقدون بأنها عملت على تقويضه وفق النموذج ذاته. يتجسد هذا القاسم المشترك في تَمَثُّل وسائل الإعلام كوسائط للفعل السياسي وكمجال لإدارة النقاش العمومي في المجتمع. هذا وإن كان البعض، مثل دهلغرينت Dahlgren, 1994، لا يرى وسائل الإعلام والميديا في علاقتها بالمجال العمومي إلا ضمن ما يسميه بالشروط التاريخية الجديدة لوجوده، والتي يلخصها في العناصر التالية: أزمة الدولة، تَشَذُّرالجمهور وتشتُّته، الحركات الاجتماعيّة الجديدة، ووفرة تكنولوجيا الاتصال الجديدة. لكن يبدو أن وفرة هذه التكنولوجيا غير كاف في تشكيل أو إعادة تشكيل مجال عمومي لأن ممارسة السياسة عبر مواقع الشبكات يختلف كثيرا عن الحديث في السياسة في المواقع ذاتها.  ففي هذا الإطار ترى ترى باباشاريسي زيزي Zizi, 2009, 242 Papacharissiبأن شبكة الانترنت قد أنشأت فعلا " حيزا عموميا" Espace public" لكنها لم تسمح بالضرورة بقيام مجال عمومي Sphere publique ففي نظرها إن فضاء عمومي جديد ليس مرادفا لمجال عمومي جديد. فالفضاء الافتراضي لا يقوم سوى بترقية النقاش، وبينما يجب على المجال العمومي أن يرقي الديمقراطية، أي أن " ديمقراطية" الحصول على الإعلام والمعلومات والنفاذ إلى مصادرها المختلفة والمتنوعة بفضل الميديا الجديدة لا يقود مباشرة، وبشكل آلي، إلى توسيع المشاركة السياسية وتعميقها أو تعزيز الالتزام السياسي.

وعلى النقيض من هذا الطرح آمنت نانسي فرايزر  Fraser, 1992,135  بإمكانية أن تتحول شبكة الانترنت إلى مجال عمومي قوي بحيث تصبح منصاتها المختلفة مسيرة ذاتيا، وتمارس الديمقراطية المباشرة أو شبه المباشرة  في مواقعها، ففيها يشارك كل المنخرطين في مؤسسة جماعية في المناقشات والمداولات ويحددون تصورها وإدارتها.

إنّ المجتمعات الناميّة التي سعت إلى إقامة ديمقراطية الواجهة أو ديمقراطية " مراقبة" عملت على إقصاء المعارضة السّياسيّة بمختلف السبل في ظل تكلس الأحزاب السّياسيّة التي تعاني من فقر في الفكر السياسي وقطيعة مع ناخبيها بعد أن تحوّلت إلى تجمع للمصالح الضيقة. هذا إضافة بسط هيمنة الخطاب الإعلامي الرسمي والتضييق على الرأي المختلف إن لم تصَادَره، ناهيك عن اللجوء إلى حجة القوة للفصل في النزاع حول السلطة.  ففي ظل هذه السياقات برز تمثّل للميديا "الجديدة" كمنابر بديلة عن الأحزاب السّياسيّة وأداة  للتمرد على الخطاب الإعلامي الرسمي في ظل ارتفاع عدد مستخدمي الانترنت ومنتسبي مواقع الشبكات الاجتماعيّة، في العديد من البلدان النامية، والمنطقة العربية تحديدا، وتزايد الوقت الذي يصرف في استخدامها اليومي الذي فاق المدة التي تخصص لمشاهدة التلفزيون يوميا[11]. وإن كان الاعتماد على الميديا الجديدة كمصدر إخباري قد زاد إلا " الفضاء الافتراضي " الذي أنشأته لم يعمل على ترقية النقاش السياسي إن لم يميعه ويحرفه.

إن النأي عن الحتمية التكنولوجية يقتضي تجنب الاعتقاد بقوة الشبكات الافتراضية المحايثة التي تمكنها من " إنشاء مجال عمومي أو هدمه. ويتطلب فهم نشاط هذه الشبكات ضمن شروط وسياق استخداماتها. لذا من الصعب فصلها عن تقاليد الاتصال المتوارثة عبر الأجيال، وعن التاريخ السياسي لهذه البلدان الذي يؤكد غياب ثقافة الحوار والنقاش، الحِجاج ، أي أن الأطر " التمثيلية" لم تبلغ مستوى الحلبة التي يدار فيها النقاش بكل ديمقراطية ويتم التداول حول الآراء التي تتصادم بحججها المتعارضة. لذا نجد أن الميديا الجديدة أفلحت في ابتكار أشكال التكافل الاجتماعي والتعاون، وتخريب الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي[12] دون أن تفلح في بناء مجال عمومي معارض.  ويمكن أن نضيف إلى الأسباب المذكورة أعلاه التي حالت دون ذلك توجه مواقع الشبكات الاجتماعية لتتخذ شكل الدوائر، أي أنها منفتحة نظريا لكنها تتجه نحو الانغلاق عمليا. فظاهرة "homophilie"، التي وجدت في مواقع التواصل الاجتماعي في مجتمعات هذه المنطقة أرضية خصبة، لا تشجع على الحوار والنقاش وتدفع المشتركين في مواقع الشبكات الاجتماعيّة إلى حذف ذوي الرأي المخالف أو المعارض من قائمة أصدقائهم، ورفض استقبال كل من يرسله من آراء وأفكار. وهذا يؤدي إلى ترسيخ ثقافة الحوار الذاتي Monologue. فظاهرة التوحد homophilie في مواقع الشبكات الاجتماعية تحث على الانطواء والانغلاق وتساهم بفاعلية في تشكيل المجال المشترك Espace commun الذي يختلف عن المجال العمومي.

ويمكن أن نأخذ بعين الاعتبار أن مواقع الشبكات الاجتماعيّة أصبحت ساحة للبوح وسرد الذات. وبهذا يمكن القول أن الميديا الجديدة تلتقي مع وسائل الإعلام التقليديّة فيما اتهمت به هذه الأخيرة، وهو تحريف المجال العمومي استنادا إلى الملاحظات الأمبريقيّة التي تقر بأن الحياة الخاصة والحميميّة قد غزتها. بالفعل، يمكن أن نتأكّد بكل يسر كيف أن الحياة الخاصة والسرديات الحميميّة غمرت الصحافة الشعبية People Press والوسائل السمعيّة البصريّة، كما يتجلّى ذلك في برامج تلفزيون الواقع.  بالطبع إن هذا الحكم يقوم على الفصل بين ما هو عمومي وما هو خاص. والقصد بالعمومي في هذا المقام يتضمن العديد من المعاني، منها ما هو مشترك.

إذا العلاقة القائمة بين المجال العمومي والميديا وفق هذا المنظور تستند إلى جملة من التمثّلات، بعضها مرتبط بهذا المجال، وبعضها الأخر ذو صلة بالميديا في سياقات مخصوصة وشروط تاريخية محددة، منها: وجود مجتمع مدني نشيط يعبر فيه المواطنون ذوي الوضعيات القانونية المتساوية عن انشغالاتهم وانخراطهم في القضايا ذات الشأن العام، ووجود نظام ديمقراطي بآلياته التي تصون حرية الرأي وتعدّديّته، ووجود حيّز متجانس تتشكل فيه الآراء والمواقف، ويحتكم إلى قوة الحجة وليس حجة القوة. ووجود وسائل إعلام متجانسة تهتم بقضايا الشأن العام وتجسد الخدمة العمومية. وتنأى عن إثارة المواضيع المرتبطة بالحياة الخاصة، وتعتمد على المواد الإعلاميّة والثقافيّة المنتجة وفق القالب الحواري والجدالي بين المواطنين ذوي القدرات التّعبيريّة والفكريّة المتكافئة والمصانة ضد الترفيه والبعيدة عن الرهانات التجاريّة.

ربما يعتقد البعض أن حصر علاقة الميديا بالمجال العمومي ضمن هذا الأفق لا تخلو من نزعة مثالية للميديا التي يراها بعيدة عن أي نزاع أو تجاذب داخلي أو خارجي. وتقفز على الحقيقة التي مفادها أن المجال العمومي " مسرح تسعى السلطة باستمرار إلى استثماره من أجل تبرير توجهاتها وقراراتها وإعادة تأسيس شرعيتها[13]" Trembley, 2007, 207-225 .

الميديا والمجال العمومي: من السياسي إلى السوسيولوجي 

بصرف النظر عن الأطروحة التي تنص على الميديا في حد ذاتها مجال عمومي، يستنتج مما سبق أن النظرة لعلاقة الميديا بالمجال العمومي تقوم على الثنائيتين: الوساطة La mediation- وساطة الفعل السياسي والأعلمة La médiatisation أي جعل المجال العمومي مرئيا، وهذا ما يسميه بعض الباحثين، مثل ولتن , 2012, 95-114 WOLTON"بالمجال العمومي الميدياتيكي. وعلى هذا الأساس من الصعب جدا فصل المجال العمومي عن الميديا، بيد أن جون مارك فيري  Ferry, 1989  يرى أن هناك فضائين عموميين: مجال عمومي اجتماعي، ومجال عمومي سياسي. لقد ظلت المواضيع المتناولة في المجال الأول خاصة، وبرزت في المشهد العمومي. وأدت سيطرة الاتصال الشاملة إلى بروز منظومة جديدة مكنت العلاقات المهنية والعائليّة والزوجيّة الحميميّة من الاستعراض في المشهد الميدياتيكي. أما المجال العمومي السياسي، الذي يُعْتقد أنه لا يغطي مجمل الاتصال السياسي بالمعنى الذي حدده دومنيك ولتن  wolton,1989، الذي يعتبره حيّزا لتبادل الخطابات المتناقضة للفاعلين الثلاث الذين يملكون شرعيّة التعبير العلني وأمام الملأ عن السياسة، وهم: الساسة، والصحافيون، والرأي العام الذي تعبر عنه عمليات الاستطلاع.

استلهم بعض الباحثين فكرة " السيولة" liquefaction" من أطورحة عالم الاجتماع زيغمونت بومان Zygmunt Bauman  ووظفوها في قراءتهم لمفعول مواقع الشبكات الاجتماعية. فالباحث كريستان فوشز Christian Fuchs, 2014, 57-101، على سبيل المثال، يعقد أن بروز " الميديا الاجتماعي" يندرج ضمن السيولة والتداخل. فالتمييز بين الخاص والعام، واللعب والعمل، والترفيه وقت العمل، والبيت ومكتب العمل، والاستهلاك والإنتاج أصبح صعبا نظرا لتداخل كل هذه الأنشطة. ويشخص سمتين تأسيسيتين للطريقة التي تقوم فيها مواقع الشبكات الاجتماعية، مثل الفيسبوك، بإسالة الحدود بينها. إذ يذكر أن السمة الأولى تتجلى عبر المجتمعة المدمجة Socialité intégrée التي تتحقق عبر ثلاثة أنماط وهي: المعرفة، والتواصل والتعاون. وتتجلى السمة الثانية عبر الأدوار الاجتماعية المدمجة والتي تستند إلى عملية إنشاء "البروفايل" في هذه المواقع، مثل " الفيسبوك" الواصف لمختلف الأدوار التي يقوم بها الإنسان في الحياة. لم يذهب البعض إلى حد التأكيد على دور " الميديا الجديدة" في إسالة الحدود بين الأنشطة المختلفة، بل شددوا على دورها في الربط بين مختلف المجالات، فأريك  Dacheux, 2010 يؤمن بوجود ثلاث مجالات، وهي: السياسي، والعمومي ، والمنزلي domestique. ويقوم المجال الميدياتيكي بربطها ببعضها بجانب مجالات الوساطة الأخرى. فالمجال المؤسساتي للوساطة l’espace institutionnel de médiation  يربط المجال السياسي بالمجال العمومي. ويربط المجال المدني، من جهته، المجال السياسي بالمجال المنزلي. ويأخذ كل مجال من هذه المجالات الأشكال الأمبريقيّة المتميزة. 

وتنصح دومنيك ماهل Mehl,2005,p89-90 بقطع الصلة بالعبارات المستقاة من الجغرافيا، مثل الاقليم والحدود في الحديث عما هو عمومي وما هو خاص، إذ تؤكّد أنه من الأجدى الحديث عن تمفصلهما وتداخلهما باستخدام عبارة المسار Processus. أو بالأحرى الحديث عن تمفصل الفضائين العمومي والخاص وتداخلهما ليشكلا حيزا عموميا جديدا تصبح فيه القضايا الخاصة مرئية ومطروحة للنقاش بصفتها ميدانا خاصا/عموميا. ولعل هنا يكمن المبرّر الذي جعل دومنيك ولتن   wolton,1989 يرفض الفصل الذي أحثته الفلسفة اليونانية بين ما هو خاص وما هو عمومي إذ يرى أنهما يشكلان ما يسمى بالاجتماعي. والذي تسميه حنه أرنت بالمجال الاجتماعي، وتقول عنه أنه ليس بالخاص ولا العمومي بالمعنى الدقيق للكلمة، بل ظاهرة جديدة برزت بظهور العصر الحديث الذي تجلّى شكله السياسي في الأمة والدولة  أرنت، 2015، 49. ولتوضيح تصورها تؤكّد أرنت أن ما هو خاص ارتبط، في الفكر اليوناني، بالحرمان من شيء ما Être privé de quelques choses. فالرجل الذي لا يملك سوى حياته الخاصة، شأنه في ذلك شأن العبد الذي لا يمكن أن يلج المجال العمومي. هذا الإنسان لم يكن إنسانا بالتمام. وحينما نتكلم عن المجال الخاص اليوم فإننا لا نفكر البتة في الحرمان. ففي زمننا هذا يتقابل الخاص، على أقل تقدير، بوضوح مع المجال الاجتماعي.  أرنت، 2015 59-60  

إذا، إنّ التفكير في المجال العمومي من زاوية زوال الفصل بين ما هو خاص وعمومي حرّر تعريف هذا المجال من ثقله ووظيفته السّياسيّة، وأعاد تعريفه بصيغ مختلفة وعلى أسس جديدة، نذكر منها:  إن المجال العمومي "إطار ميدياتيكي" بصفة عامة، تقوم بموجبه المنظومة المؤسساتية والتكنولوجية الخاصة في المجتمعات الما بعد الصناعية بتقديم مختلف جوانب الحياة الاجتماعيّة إلى " الجمهور"   Ferry, 1989 .  

ووفق هذا المنظور الجديد، فإن الميديا ليست وسيلة بث وتوزيع مركزية وأحادية الاتجاه من مرسل إلى جمهور، وليست إطارا للجدل ومقارعة الحجة بالحجة، بل وسيط اجتماعي. أي أنها تقوم بالوساطة بين افراد المجتمع عبر اللّغة. وبهذا فإنها لا تخدم بالضرورة الرؤية السّياسيّة للمجال العمومي الذي تحصره في الوساطة  بين المواطنين والسلطات باعتباره حيّزا رمزيّا لطرح الآراء والمواقف المتعارضة ذات الصلة بإدارة الشأن العام.

يعيدنا هذا الحديث إلى الفكر اليوناني بعيدا عما كانت تمثله الأغورا الذي تذكرنا بها حنة أرنت أرنت، 2015، ص.40 بالقول أن من يوجد خارج المدينة – cité في نظر أرسطو، أي العبيد والبرابرة- محروم من الكلام، ومن البديهي ان ذلك لا يعني الحرمان من القدرة على الكلام، بل مَقْصِيّ من ضرب من الحياة العامة تكون فيها اللّغة واللّغة وحدها ذات معنى فعلي في وجود كان الهم الأول للمواطنين فيه هو أن يخاطبوا بعضهم.

إذا ولوج المجال العمومي من المنظور الاجتماعي ليس مشروطا بامتلاك سلطة القول التي تحدث عنها بيار بورديو، ولا باستعمال الحجة التي تحدث عنها هابرماس، بل بالحديث العلني وأمام الملأ عبر الوسائط المتاحة: الإذاعة، التلفزيون، مواقع الشبكات الاجتماعيّة، والمنصات الرقمية المختلفة في شبكة الانترنت.

نعم إننا نعي بأن الكثير من الوسائط الجديدة تملكها الشركات العملاقة في مجال المعلوماتية والانترنت. وسهلت جلّها الوشاية والقدح والقذف والعنف اللفظي والإقصاء ، خاصة في العديد من البلدان العربية.وتحوّلت إلى أداة نشيطة لممارسة المراقبة والتصنت والتلصص والجوسسة على كل ما يتم تداوله[14] و ساحة لتعرية الذات والفضضة عن النفس، وغيرها من المظاهر التي تعيق فعلا إعادة تشكيل مجال عمومي من المنظور السياسي. لذا لا بد من محاولة فهم علاقة الميديا بالمجال العمومي على ضوء الاتصال الميديتيكي الذي تزايد في حضن المجال المجتمعي espace societal الذي يتوسط الحيّز الخاص والحيّز العمومي Namoin, 2010, 223-226  

رغم التحوّلات البارزة التي طرأت على الميديا والتي أعادت صياغة علاقتها بالمجال العمومي  إلا هذا الأخير أضحى المتغير الأساسي في فرضية هذه العلاقة. إذ اصبح ما هو اجتماعي le social هو الذي يشكل موضوع المجال العمومي وليس "السياسي" Le politique  Paquette, 2000, 47-74 . ونقصد بالسياسي السلطة الضمنية التي تتأسس في مجتمع ما وتكون ذا صلة بإدارة المجتمع وتنظيمه. وهذا يتطلب إعادة قراءة العلاقة المذكورة أعلاه على ضوء أسس جديدة، قوامها:

1-إضفاء البعد المرئي: تمنح الميديا للأشخاص والخطابات بعدا مرئيًّا والسبب في ذلك لا يقتصر على أن تطور تكنولوجيات الاتصال الراهنة فتحت أفاق واسعة لتغيير علاقة المرء بالبعد والغياب، بل لالتفافها على الإقصاء الذي شكل إحدى المأخذ الرئيسة في نقد المجال العمومي الهبرماسي. فالمجال العمومي في تعريف حنا آرنت هو " مجال للظهور"espace des apparences. فبعد أن أعادت تأويل المفهوم الأرسطي للسياسة المغاير للنموذج الهابرماسي القائم على الحجاج وفق منظور نقدي وتحرري، رأت هذه الفيلسوفة أن المجال العمومي يتمثل في كونه مؤسسة رمزية لمجال الانتماء والظهور الذي يصبح مرئيا في بعده الظاهراتي. Paquette, 2000, 47-74 .  ويقصد بالبعد الظاهراتي الأفعال، والأحداث التي يكتسي فيها الأشخاص معنى وشكل اجتماعيا ساعة ظهورهم. Quéré, 1992, 81.

ونظرا لرهانات الظهور أو مرئية الأشخاص والأفعال والقضايا، فإن بعض المواد الإعلامية-الترفيهية، مثل برامج تلفزيون الواقع والتوك شو التي تبثها بعض القنوات التلفزيونية العربية، على سبيل المثال، كالإدمان على المخدرات، وزنا المحارم، والدعارة، وعدم الاعتراف بشرعية الأبناء، وطرد الأبناء من البيت العائلي، وطرد المرأة من بيت الزوجية إلى الشارع،  لا تظهرها  إلا لأسباب تجارية. لكنه إظهار من أجل إخفائها وإبعادها عن الخطاب العمومي. ويتخذ هذا الإبعاد شكلين بارزين: التنديد بها واستنكارها والتهجم على مرتكبيها، وتقديمها  على أساس أنها حالة نادرة غريبة عن المجتمع وأن أصحابها نادمون على ما قاموا به. وفي الشكلين تعيد إنتاج الخطاب المهيمن: الخطاب الوعظي والأخلاقي الذي يحول دون انتقالها لتشكل موضوعا للنقاش العمومي يتجادل حوله الأشخاص المتعادلون في القدرة على التعبير عن وجهات النظر أو على إظهار اختلافهم دون خوف أو توجس من رد الفعل الاجتماعي أو رد الصحافيين ومشاركيها في هذه البرامج.[15]    

2-حق الاعتراف: استعاد الفيلسوف الألماني أكل هونيث مسألة الاعتراف وجعل منها محورا لنظرية جديدة للصراع الاجتماعي. وفتح المجال للعلوم الاجتماعيّة للكشف عن تعدّدية معانيه. ففي نظره إن "الاعتراف المتبادل كفيل بوضع حدّ للصراعات الاجتماعية القائمة على السيطرة والهيمنة والظلم. وبفضله يستطيع الأفراد تحقيق ذواتهم وهويتهم ضمن علاقات تذاوتية"  بومنير، 2010، 108. والاعتراف في نظره مرهون بثلاثة شروط معيارية متميزة، وهي: الحب، والحق، والتضامن.

وإن كان الشرط الأخير؛ أي التضامن يتجسد بيسر، وبأشكال مختلفة في مواقع الشبكات الاجتماعية بعد أن بدأت الدولة الرعوية في الأفول، أو تنازلت عن دورها التكافلي كاختيار سياسي أو لضرورة اقتصادية، فإن الشرط الثاني؛ أي الحق، صعب المنال، إذ يظل موضوعا للتفاوض والصراع لأنه يندرج ضمن حقوق الإنسان الأساسية وملازم لمفهوم المواطنة.

إن المطلب الأساسي لتجسيد الحق في الاعتراف يكمن في إعادة توزيع الثروات والخيرات، والإقرار بالاختلاف الثقافي، وتسبيقها على الحب، حتّى لا يتحوّل الحق في الاعتراف في الخطاب العمومي الذي تنتجه وسائل الإعلام أو تنقله مختزلا في البعد النفسي فقط: الحب.

إن السعي لتجسيد الحق في الاعتراف لا يروم تحقيق المساواة بين الأشخاص، وإعادة النظر في تمثيلهم الديمقراطي، بل يقرّ بالوجود الاجتماعي للأشخاص ضمن تعدّدهم وتنوّعهم، والقبول باختلافهم كشكل من أشكال النضال ضد الإقصاء من المجال العمومي من جهة، وترسيخ فن العيش المشترك والذي يعاد على أساسه رسم الحدود بين المرئيات العمومية Visibilité publique، والممارسات اللسانية  , 2005 Voirol . فأهمية هذه الممارسات اللسانية لا تكمن في أن كل خطاب في المجال العمومي هو تمثيلي لأنه يحمل تجربة " اجتماعية، ويستطيع كل شخص أن يكون في وضعية مماثلة. 89-103 1999,   Esquenaz, ، بل لأنه يمكن أن يثير نقاشا عاما، ويحوّل المشاكل التي كانت تدرج في خانة المسكوت عنه أو تلك التي همشها الخطاب الرسمي الصادر عن المؤسسات السّياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة إلى مشكل عمومي.

حتّى لا نسقط في التعميم يمكن التأكّيد على أن وسائل الإعلام لا تشكل وحدة متجانسة حتّى في المجتمع الواحد. إنها تخضع لتنوّع أنماط ملكيتها، ودرجة ارتهانها للسلطتين: السّياسيّة والماليّة، وحمولاتها الأيديولوجيّة، ومدى امتثالها للقوانين التي تؤطر الفعل الإعلامي وتفرض الخدمة العمومية في الدول الديمقراطية. لكنها تعمل، بدرجات متفاوتة على تمكين الأشخاص من انتزاع الحق بالاعتراف بهم ضمن تمثّلها للجمهور/المواطن/الزبون وللمجتمع وللعلاقات الاجتماعيّة القائمة فيه. وهذا خلافا لوسائل الإعلام الرسميّة- الحكوميّة – في المجتمعات الناميّة. فالمجتمع مغيب في نشرتها الإخبارية التي لا تبرز سوى الحكومة تحدث ذاتها وتنظر إلى صورتها في مرآة الإعلام الرسمي. أما الفرد فلا يظهر لذاته وإن ابرزته بذاته فلتجعل منه مُرْجِع صدى الخطاب الرسمي ومؤيده. [16]   

فرغم أن المشاكل التي تطرح للنقاش سواء في إطار " التوك شو" Talk show أو برامج تلفزيون الواقع في القنوات التلفزيونية الغربية تأخذ صيغة فردية وذاتية إلا أن المنظومة الاتصالية Le dispositive communicationel تعترف بمن يعانون منها، وتحوّل هذه المشاكل إلى قضايا عامة من خلال عملية الوساطة التي تقوم بها الميديا سواء عبر تَملُّك الجمهور أو المشتركين في مواقع الشبكات الاجتماعيّة لهذه المشاكل، أو بما تثيره من نقاش قد يخرج عن إطار الميديا ويمتد إلى مجالات أخرى. وقد يكلّل هذا النقاش بإصدار قوانين تتصدى لهذه المشاكل وتنظمها. هذا مع العلم بأن البعض يعتبر بأن مواقع الشبكات الاجتماعيّة تشكل حيّزا عاما ولا تعدّ، بأي شكل من الأشكال، مجالاً خاصا. ومن أجل ذلك يكفي أن يقوم المرء بنشر محتوى معين وهيكلته بطريقة تسمح للغير بالإطلاع عليه حتّى وإن كان هذا الغير محدودا 2014, Burkell .

إن ما تقوم به الميديا من ربط المجالات الثلاثة المذكورة أعلاه، أو تشكيل المجال العمومي الاجتماعي يجرى على صعيد رمزي. بالطبع إن التفكير في هذا البعد الرّمزيّ يطرح التساؤل عن العوائق التي تحول دون إعادة تشكيل مجال اجتماعي أو تشكيله من جديد في البلدان النامية ومنها الجزائر.

بالفعل إنّ تشكيل مجال عمومي لا يقتصر على المجتمعات التي تعيش في كنف النظام الديمقراطي مثلما ذهبت إليه ناموان Namoin, 2010، بل يرتبط بالبعد الرمزي لما يتم تداوله واقتسامه في الميديا التقليدية والجديدة بصرف النظر عن موضوعه: أي ليس شرطا أن يكون ذا صلة مباشرة بما هو عمومي.  فالرّمزيّ، كما يؤكّد داشو Dacheux, 2010هو شبكة من الدلالات التي يستبطنها الفرد في مسار تنشئته الاجتماعيّة. إنه بنية اجتماعية لاواعية تحدد طريقة فهمه للعالم. فالذاتيات التي يبوح بها الفرد في الميديا المعاصرة لا يمكن أن تفهم لذاتها، بل في علاقتها المعقدة بالآخر، وبالشأن العام. إنها تجربة اجتماعية تقوم الميديا بسردها وتعميمها ضمن مستويات مختلفة من التفاعل معها، فتسمح للأفراد بتقييم ذاتهم واستعادة تجاربهم وقراءتها على ضوء ما هو مشترك ومقبول اجتماعيا ويؤسس للعيش المشترك.

 

*مداخلة قدمت في المؤتمر الدولي: "الفضاء العمومي ومواقع الشبكات الاجتماعية: التشظي وإعادة قراءة المفهوم" بقسم الإعلام والاتصال في كلية العلوم الإنسانية والعلوم الإسلامية، جامعة وهران1، أحمد بن بلة بالاشتراك مع مخبر استخدامات وتلقي المنتجات الإعلامية بجامعة الجزائر-  وهران – 10-11 أبريل 2017  

المراجع

  •  بومنير كمال  2010 ، التظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، من ماكس هويكمير إلى ألكس هونيث ، الدار العربية للعلوم، ناشرون.  منشورات الإختلاف،
  • حنة أرنت- 2015 الوضع البشري، ترجمة هادية العرقي عن اللغة الأنجليزية، جداول- مكتبة الفكر الجديد
  • مانويل كاستلز: سلطة الاتصال، ترجمة محمد حرفوش، المركز القومي للترجمة، مصر، 2014

References

Awad  Gloria 2010, «Informer, relier le journalisme en tant que modèle moderne de mediation », Communication , 281

Ballarini Loic 2011: L'espace public au-delà de l'agir communicationnel. Quatre renversements de perspective pour sortir des impasses du modèle habermassien,  Doctorat Sciences de l’information et de la communication, Centre d’études sur les médias, les technologies et l’internationalisation, École doctorale Sciences sociales, École doctorale Sciences sociales, Université Paris 8,

Baqout Thierry  2009 ; l'espace public; éditions la découverte; Paris;

Bregman Dorine, Dayan Daniel, Wolton Dominique coord., 1989 :« Le nouvel espace public ». revue Hermès, n 4

Burkell Jacquelyn 2014: Facebook: public space, or private space? Journal Information, Communication & Society Volume 17, issue8

Cardon Dominique : Pourquoi l’internet n’a-t-il pas changé la politique ? Interview accordée à Hubert Guillaud; consulté le 14 mars 2017 ; URL http://www.internetactu.net/2010/10/07/dominique-cardon-pourquoi-lintern...

Charaudeau Patrick  1999« La médiatisation de l’espace public comme phénomène de fragmentation  », Études de communication N0 22 

Dacheux Eric  2010 :Les trois dimensions de l'espace public ; consulté le 14 mars 2017, URL  http://archivesic.ccsd.cnrs.fr/sic 00531476

Dacheux Eric  2010   Revisiter le concept d’espace public à la lumière de deux objets frontières : l’économie solidaire et la BD. XVIIe Congres de la Société des Sciences de l'Information et de la Communication : Au cœur et aux lisières des SIC Dijon, 23-25 juin

Dahlgren Peter et autres 1994 : Espaces publics en images. Hermès la Revue, n°/1-2

Dahlgren Peter, Relieu Marc  2000. L'espace public et l'internet. Structure, espace et communication Réseaux, volume 18, n°100.

ESQUENAZI  Jean Pierre 1999, Télévision et démocratie. Le politique à la télévision française. 1958-1990 Paris, Presses universitaires de France

Wolton Dominique  1989 : La communication politique; communication d'un modèle; Hermès; n° 4

Wolton, Dominique 1992, « Les contradictions de l’espace public médiatisé », Hermès, 10 : 95-114.

Dominique Mehl  2005 The public on the television screen: towards a public sphere of exhibition in Sonia Livingstone; Audiences and Publics: When cultural engagement matters for the public sphere Changing Media, Changing Europe Volume Intellect Books, USA

Ferry J-M.  1989 « Les transformations de la publicité politique », Hermès, n°4.

Fraser Nancy 1990  Rethinking the Public Sphere: A Contribution to the Critique of Actually Existing DemocracyAuthors: Social Text, No. 25/26

Fraser Nancy, Muriel Valenta 2001 « Repenser la sphère publique : une contribution à la critique de la démocratie telle qu'elle existe réellement. Extrait de Habermas and the Public Sphere, sous la direction de Craig Calhoun, Cambridge, MIT Press, 1992,, Hermès, La Revue 3 n° 31,

Fuchs Christian  2014: Social Media and the Public Sphere, Triple C, volume12 N01

Habermas, Jürgen 1997. Droit et démocratie: Entre faits et normes. Traduit par Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz. Paris: Gallimard.

Habermas, Jürgen  1992 « L’espace public, 30 ans après », Quaderni, n° 18, dossier « Les espaces publics », 

Kerrou  Mohamed  2002 Public et privé en Islam IRMC, Maisonneuve & Larouse,

Kondratov Alexander  2015: Espace public politique official post soviétique à l'épreuve des réseaux socionumériques, études de mouvement de constatation en Russie en 2011-2012 – Revue French Journal for Media Research, n°4

Lenoble, Jacques, Berten, André 1992: L'espace public comme procédure. In: Raisons Pratiques : épistémologie, sociologie, théorie sociale, Vol. vol. 3

Mehl  Dominique  2005  The public on the television screen: towards a public sphere of exhibition in Sonia Livingstone; Audiences and Publics: When cultural engagement matters for the public sphere Changing Media, Changing Europe Volume 2 Intellect Books, USA

Miège Bernard1995: L’Espace public au-delà de la sphère politique, Hermès, n°4, 17-18

Miege Bernard 1995 : L'espace public: perpétué, élargi et fragmenté; in L'espace public et l'emprise de la communication sous la direction d'Isabelle Pailliart; Grenoble : ELLUG

Mouillaud Maurice, Tetu Jean Francois  1989: le journal quotidien , presse universitaire de Lyon

Namoin Yao  2010, « L’Espace Public Contemporain – Approche info-communicationnelle de Bernard Miège », Communication et organisation,  n° 38 

NEVEU, Catherine. dir., Espace public et engagement politique,  Enjeux et logiques de la citoyenneté locale Paris, L’Harmattan, 1999

Neumann Alexander  2016  Conceptualiser l’espace public oppositionnel Variations, Revue internationale de théorie critique, 19

Quéré, Louis 1992, « L’espace public : de la théorie politique à la métathéorie sociologique », Quaderni, 18 : 75-92.

 Paquette Martine 2000La production médiatique de l’espace public et sa médiation du politique; Revue Communication - vol. 20/1 

Papacharissi Zizi 2009  The Virtual Sphere 2.0: The Internet, the Public Sphere and beyond in Andrew Chadwick, Philip Howard, Handbook of Internet Politics, Philip Howard  Routldge  taylor and Francis  group

Servais Christine 2013: Énonciation journalistique et espace public », Communication; vol 32 n0 2;

Tommaso VISONE  2014 « Le problème de la « sphère publique » dans la pensée de Carl Schmitt », Philonsorbonne [En ligne], 8 | 2014, mis en ligne le 19 janvier 2014, consulté le 13 janvier 2017. URL : http://philonsorbonne.revues.org/626 ; DOI : 10.4000/ philonsorbonne.626

Tremblay Gaëtan 2007, « Espace public et mutations des industries de la culture et de la communication; in Les industries de la communication et de la culture en mutation; sous la direction de Philippe Bouquillion et Yolande Combès, L’Harmattan, Questions contemporaines, Paris,

Voirol Olivier  2005 introduction Autour d'Axel Honneth. Reconnaissance et communication », Réseaux, n° 193,


[1] - نذكر على سبيل المثال وليس الحصر إسهام كل من: Jacques Rancière، Bernard Miege، Patrick Charaudeau، Christine Servais، Bourdieu Pierre لأخذ فكرة عن إسهام جاك رونسيار يمكن العودة إلى:

Julien Rueff ( 2014) : Penser le web politique avec Jacques Rancière, Revue Tic et société , Vol. 8, N° 1 et 2  ) 106-126)

Julien Rueff ( 2014) : Penser le web politique avec Jacques Rancière, Revue Tic et société , Vol. 8, N° 1 et 2  ) 106-126)

[2]- هذا ما ذهب إليه أريك داشو، عندما أكّد أن " المجال العمومي" غدا مفهوما فاقدا لدلالته  notion valise ،  أي كل ما لا ينتمي إلى المجال المنزلي- أنظر:

Eric Dacheux (2010): Revisiter le concept d’espace public à la lumière de deux objets frontières : l’économie solidaire et la BD. Actes du XVIIe Congrès de la Société des Sciences de l'Information et de la Communication : Au cœur et aux lisières des SIC Dijon, 23-25 juin

[3] - يستخدم الفرانكفونيين " Espace" بينما يميل الأنجلوساكسونيين إلى استعمال Sphere  لكن بالتدريج بدأ الفرانفكنيون يستعملون العبارتين معا.

[4] - هذا جانب واحد من معنى انحراف المجال العمومي الحالي، كما شخصه كل من Charles Perration      وÉtienne Paquette، و Pierre Barrette، أما الجانب الثاني الذي استخلصوه، فيحيل إلى ضرورة استكشاف الأشكال الجديدة لمستقبل الفعل السياسي. أنظر:

Charles Perration, Étienne Paquette; Pierre Barrette ) sous la direction, 2007( : Dérive de l’espace public à l’ère du divertissement; Presse Universitaire du Québec ; p 7

[5] - ينطبق هذا الأمر على الصحافة الجزائرية بشكل جلّي. فكلّ صحيفة تموقعت إيديولوجيا وسياسيا والتزمت بأحادية الرأي ومارست اقصاء الرأي المعارض.  هذا مع الإشارة إلى أن الصحف الصادرة باللغة الفرنسية فتحت منبرا للمثقفين والكتاب والفنانين والأساتذة الجامعين والإطارات السامية في الدولة والمسيرين المحالين على التقاعد وغيرهم للتعبير عن آرائهم تجاه الأحداث الراهتة والقضايا الاجتماعية والاقتصادية بشرط  أن يكونوا من المقريبين من خط ها الافتتاحي. وقد تنشر بين الحين والأخر بعض المواد الصحفية لأسماء مستعارة تثير علامة استفهام عن هويتها والجهة التي تحركها. وهذا خلافا للصحف الصادرة باللغة العربية التي تستكتب بعض الأقلام التي تشاطر خطها الافتتاحي. حقيقة لقد أنشأت بعض الصحف الصادرة باللغة العربية منتديات إلكترونية  مفتوحة نظريا على مختلف الآراء  لكنها لا تنشر عمليا سوى سوى الآراء التي تتطابق مع خطها التحريري أو لا تبتعد عنه كثيرا. 

[6] -يقصد بها تلك تتدخل في صياغة الخطاب الإعلامي mise en discours  La، وهي : انتقاء المواضيع thématisation، والمعالجة الخطابية للأحداث، وإخراجها إعلاميا  lamise en scène .

[7] - يقصد به تجمع أفراد حول كتلة معرفية ( تخصص نظري) يشكل "جماعة علمية"، والتجمع حول كتلة العقيدة ( مذهب) يشكل جماعة دوغمائية، والتجمع حول كتلة من الآراء ( الدفاع عن طرف) تشكل "جماعة مناصرة"، والتجمع حول كتلة من التقديرات تشكل "جماعة أخلاقية " قارّة حول متخيل عاطفي.

[8] -  يزعم اريك جورج، Éric George ، أن ايف دلهاي وبرنار مياج نحتا هذه الأطروحة في نقدهما لمفهوم المجال العمومي الهبرماسي. وقد ارتكز عليها إريك جورج  في قراءته للمجال العمومي – أنظر:

Éric George: Du concept d'espace public à celui de relations publiques généralisées; consulté le 13/3/2016, URL; http://commposite.org/v1/99.1/articles/george4.htm

[9] - ينسب Thierry Baqout هذا الوصف إلى هابرماس- أنظر:

Thierry Baqout ( 2009): l'espace public; éditions la découverte; Paris; p 25

[10] -  هذه الصيغة نحتها الباحث مانويل كاستلز، وهي كلمة مركبة يقصد بها الاتصال الجماهيري الذي يملك القدرة على الوصول إلى جمهور عالمي مثل شريط فيديو في موقع يوتيوب أو نشر من جهة، واتصال ذاتي من جهة أخرى حيث يتم إنتاج الرسائل ذاتيا و تحديد متلقيها يتم ذاتيا -  أنظر: مانويل كاستلز: ) 2014 ( سلطة الاتصال ، ترجمة  محمد حرفوش، المركز القومي للترجمة، مصر ، ص  92

[11] - يذكر على سبيل المثال أن موقع غوغل بين في دراسته المنشورة في أواخر 2010 أن معدل تصفح الانترنت لدى شريحة واسعة من مستخدمي الانترنت  في المملكة السعودية  فاقت مشاهدة التلفزيون  بمعدل ساعتين يوميا.- أنظر: عبد السلام بن عبد العالي ) 2012 ( :  الشباب ، التشبيك وثقافة التواصل والتغيير السياسي، منشور في كتاب جماعي بعنوان، الإنفجار العربي الكبير، في الأبعاد الثقافيّة والسّياسيّة ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ،  ص 87

[12] -  لتوضيح هذه الفكرة يمكن الرجوع إلى  نصر الدين لعياضي  2012( : الشباب الجزائري والتهميش الإعلامي وأساليب الالتفاف عليه، كتاب باحثات، صادر عن تجمع الباحثات اللبنانيات في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، العدد 15.

[13] - لا يمكن أن نغفل هذه الحقيقة في بلد مثل الجزائر، لكن ما يلفت النظر أكثر هو محاولة السلطة مصادرة مختلف المجالات واستغلالها : وسائل الإعلام، المساجد، الزوايا، الأندية الرياضية، الجامعات، وغيرها من أجل إخماد أي صوت لا يعدّ صدى لصوتها باتهامه بالخيانة والعمالة للأجنبي-  االجملة التي تتواتر باستمرار لوصف المواقف والآراء المعارضة بأنها تحركها أيادي أجنبية". ربما الأمر يعود إلى غياب مفهوم " المنافس، الغريم" في القاموس السياسي الجزائري ، وفق ما ذهب إليه بعض الباحثين الجزائريين، مثل على الكنز.

[14] -  يستعرض الباحثان  Fabienne Martin-Juchat  و Julien Pierre  مختلف أشكال الرقابة والتلصص التي تمارس على المضامين المتداولة في شبكة الانترنت ومختلف المنصات الرقمية، ويؤكدان على تطور شكلها ضمن ما يسميانه بــ " القبول الحر بالمراقبة.- أنظر :Fabienne Martin-Juchat et Julien Pierre : Facebook et les sites de socialisation :une surveillance librement consentie in Béatrice Galinon-Mélénec ( sous la direction) 2011: L’Homme trace Perspectives anthropologiques des traces contemporaines, CNRS Editions, Paris, p 105- 123

[15] - لمزيد من الشرح حول هذه النقطة يمكن الرجوع إلى:  نصر الدين لعياضي ) 2017) "برامج تلفزيون الواقع وإرهاصات التحوّل في بنية المجال العمومي في الجزائر، صدر في كتاب جماعي بعنوان: الإعلام العربي ورهانات التغيير في ظل التحوّلات، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت )  ص 83- 100(            

[16] - لتوضيح هذه الفكرة اكثر، أنظر: نصر الدين لعياضي )  2015) :  صورة المعارضة الجزائرية في الإعلام الرسمي: الواقع والتمثلات، مسترجعة بتاريخ 22/3/2017  من الموقع:  studies.aljazeera.net/ar/mediastudies/.../201552111334528673.htm.

أ.د. نصر الدين لعياضي    جامعة الجزائر

ملخص | مراجع   | تحميل PDF   

31-01-2018

" data-share-imageurl="">